بين الحَقيقة والأسطورة: الطّعام كسُلطة وحركة فكريّة، من بلاد الرّافدَين إلى المملكة العبّاسيّة

Print

وليمة للآلهة: الوجبة الأولى لمأدُبةٍ عبّاسيّة أعدّتها الكاتبة في تاريخ 14 أيّار/مايو العام 2016 في فندق بريستول في بيروت، كجزء من محاضرة «الشهيّة النَّهِمة: الأكل كمُؤشّر ثقافي»، من تنظيم كيريل ديميترييف، وجوليا هاوزر، وبلال أورفلي. تتضمن الأطباق الظاهرة في الصورة: خُشاف الحامض مع الجبن الطازج، والباذنجان مع اللبن، والمزوّرة، والباردة، وجبن القريش مع الأعشاب، وزيت الزيتون، وأزهار صالحة للأكل. الصورة من تقدمة الكاتبة.


قديماً، في بلاد الرّافدَين، في العهد الآشوري الحديث، كانت الصداقات تولد بعد الشرب من الكوب نفسه، أو عبر مشاركة الملح. إنه مكوّن متواضع لتوثيق الروابط الحميمة، شخصية كانت أم تجارية. وكان هذا التبادل البسيط يتناقض بشكلٍ صارخ مع الولائم الضخمة، التي كانت تُقام في ذلك الوقت. تصف الألواح المسماريّة وفرة تلك الوجبات وفَيضها، لكن لا يزال علينا أن نكتشف محتوى قوائمها.

في النظام الإجتماعي الذي تكوّن في تلك الفترة، وبين الواقع وعالم الآلهة والأبطال الخياليّين، كان الناس ينعمون على الآلهة بولائم عامرة. وإذ كانوا يستلهمون موائد الملوك الفخمة في فرش سفراتهم، فإن الهدايا التي قدموها غالباً ما كانت أكثر سخاءً. فوصلت إلى أساطير بلاد ما بين النّهرَين العديد من القصص المتعلّقة بالطّعام والآلهة. في قصّة إنانا مثلاً، دُعِيَت إلهة الحب والحَرب السّومريّة إلى مدينة إريدو لزيارة إنكي، إله الماء والحكمة. عند وصولها، قُدِّمَ لها الماء العذب والقشطة والجِعة. لاحقاً، بعد تناول كؤوس عدّة من النبيذ، أصبح إنكي مخموراً، فانتزعت إنانا رموز قوّته منه وأعادتها إلى مدينتها الأم، أوروك.

في قصة مردوخ [بالعربيّة «نمرود»]، قام الإله الرّاعي لمدينة بابل بدعوة الآلهة للإحتفال وتناول الطعام معه، بمناسبة تدشين مدينته التي أسسها بعد أن روّض البحر. ووِفقاً لإحدى الأساطير السّومريّة من بداية الألفية الثانية، عندما رَغِبَ إله الأعاصير إنليل، وهو أيضاً إله الأرض والهواء، الزواج من سود، أرسل إلى والديها كميات هائلة من الأطعمة العالية الجودة، كهدية، بعد موافقتهما على منحه يدها. في قصصٍ عديدة، تُستَدعى الآلهة للإجتماع وتناول وجبةٍ، من أجل مساعدة البشر، الذين كانوا بصدد اتّخاذ قرارات جوهريّة تتعلّق بمدنهم. عندما تحضر الآلهة، يتم دعوتها لأكل الخبز وشرب الجِعة، لتسهيل مثل هذه المشاريع. في ملحمة جلجامش، تقدّم العاهرة (أو الكاهنة) شامات هذه الأغذية الرئيسيّة للرجل البريّ المعروف بإسم إنكيدو. كانت هذه هي محاولتها لتهذيبه. كذلك في الملحمة نفسها، تتحوّل حانة سيدوري، حيث يُقدَّم الطعام والشراب، إلى علامة لحدود العالم المُتَحضّر. بعد تجاوزها ، يبدأ جلجامش رحلته نحو أراضٍ مجهولة.

تُمنَحُ هذه الآلهة المُدلَّلة أربع وجبات يومية ووجبة إفطار، تتألف من أنواع مختلفة من الخبز والفواكه المجففة وغيرها من الطّيبات. بالإضافة إلى الكثير من اللحوم. وِفقا للمؤرخ جان بوتيرو، كان البشر يقولون: «فلتأكل الآلهة الشّواء، الشّواء، الشّواء!»[1] الأبقار، العجول والماعز والأغنام –  جميعُها مُسَمَنة وفقاً لطقوسٍ دقيقة -  بالإضافة إلى البط والأوز والزّغب وشتّى أنواع الطّيور. كانت تقدَّم للآلهة أجود الأطعمة دائماً، كما يُذكّر الكاهن الأعظم كيليلي الإلهة عِشتار، وهو يقدّم لها جَدياً مطهوّاً بإتقان، في لحظة تضرّعه إليها خلال أحد الطّقوس الدينيّة. حتّى بعد تطوّر تقنيات الطّهو فيما بعد، واصل البشر تقديم اللحم المشويّ للآلهة من أجل استرضائها والحفاظ على سعادتها.  

كان المُلوك والحُكّام يدعون الضيوف إلى الولائم للإحتفال بالأحداث المهمة، كاختتام تشييد مبنى أو انتصارٍ عسكريٍّ أو زيارة وفدٍ أجنبيّ. وبالإضافة إلى الوجبة، كانت تقدم الجعة والنبيذ، وكان يتولّى تقديم المشروبات خادم مؤتَمن. كان الملك هو أوّل من يُخدَم، يليه الضيوف الذين يرغب بتكريمهم. يلتزم تقديم الوجبات بأعرافٍ معيّنة، من تواجد مناشفٍ معطّرة إلى اللحوم المقدّمة مع الخبز والخضروات. في بعض المناسبات، كانت الأطعمة تتضمّن أيضاً أسماك المياه العذبة، فضلاً عن بيض النّعام والفطر (على الأرجح الكمأة، وهو الإسم العربي لنبات الرّعد [أو العِبلاج]، والتي تُعتبر من إحدى الطيبات الموسميّة حتى اليوم) والفستق.  كانت تُقّدّم الحلويات البسيطة، كالفاكهة والمعجنات المُحلّاة بالعسل، لإنهاء جلسة الأكل. خلال تلك المآدب، يعزف الموسيقيون على آلاتهم ويؤدي الراقصون والممثلون وغيرهم من الفنانين عروضهم أمام الضيوف الرّفيعي المستوى.


لوحة مسماريّة من الطين تصف توزيع حِصَص الجِعة على العُمّال، بلاد الرّافدَين، العراق، أواخر العصر الأوروكي، 3100 – 3000 الحقبة قبل العامّة. المتحف البريطاني، لندن.


حوالى العام 2350 قبل الميلاد، قدّم سرجون الأَكَادي إلى مُمَثّلي شعبه، وإلى طاقمه المؤلف من 5,400 رجل، وجبات فاخرة يوميّاً. وكان مقتنعاً بأنه قد مُنِحَ القوة الإلهية لحماية شعب سومَر وأَكَاد، وكان كَرَمه هائلاً لدرجة أن القصة كانت لا تزال تُروى في الجلسات المسائيّة حتّى بعد خمسمئة عامٍ من حدوثها. في الواقع، كان سرجون هو نفسه يتباهى بكرمه، كتذكيرٍ  بقوّته الإلهية وبوُجوب الخُضوع لسلطته.

بعد مرور زمنٍ طويل، خلال العصر الآشوري الحديث، أقام الملك أشور نصربال الثاني (883-859)، وجبة هائلة لنحو سبعين ألف ضيف (69,574 على وجه الدقّة)، خلال الإحتفال بتجديد قصره في مدينة نمرود (التي أصبحت العاصمة الجديدة). إستمر الملك بتقديم الطّعام لسكّان المدينة وذوي الوجاهة المجاورين وللحِرَفيّين الذين عملوا في الحدث، لمدّة تزيد عن عشرة أيام. تطلّبت المناسبة قائمة مثيرة من المكوّنات: «ألفٌ من الثيران السّمينة، أربعة عشر ألف غنمة، ألف خروف، عدّة مئاتٍ من مختلف أنواع الغزلان، عشرون ألفاً من الحمام والطيور الأخرى، عشرة ألف سمكة، عشرة آلاف بيضة، بالإضافة إلى الآلاف من دوارق الجِعة والأباريق الممتلئة بالنبيذ».[2]

خلال الفترة ذاتها (القرنين السابع والثامن قبل الميلاد)، كان مطبخ ملكة نينَوَى يزدحم بأربعمئة طبّاخٍ وأربعمئة فرّانٍ وخبّاز، جميعهم يعملون بصخب: من تقطيع الأخشاب إلى تنظيف الأوعية والأطباق وملء الآنية بالماء وإشعال النّار وإعداد الوجبات. كان يساعد جميع هؤلاء ثلاثمئة من الخدم، وثلاثمئة عامل تنظيف ومئتا موظّف. وكان بمقدورهم إعداد وجبات طعام  تلبّي ما يصل إلى ستة عشر ألف ضيف.

تطلّب مثل هذا الطاقم الهائل العامل في هذا المطبخ الضّخم، تسلسلاً هرميّاً صارماً. هناك، يقود «نوهاتيمو»، أو «الطّاهي» باللغة الأكادية (من كلمة «ختم»، بمعنى الشّخص الذي يختُم أو المسؤول عن الأطباق التي تغادر المطبخ)[3] جيشه، كما يفعل كبار الطهاة في المطاعم الشهيرة اليوم. ويوافق على إيصال وتقديم الأطباق، التي أضاف عليها الرجال المسؤولين عن الصّلصات لمستهم الخاصة. تُقَدّم الأطباق على لوائحٍ وصينيّاتٍ قام بتصميمها وبنائها حرفيّون متخصّصون. كان الملك يأكل مستلقياً على أريكة، وكان حضور الملكة وهي جالسة على كُرسيٍّ على مستوى قدميه كمجرّد ضيفة، يُعتَبَرُ دلالةً على أهميّة الحدث. وكانت القصور تقدّم القرابين للآلهة يوميّاً.

حتّى الإنجيل يأتي على ذكر وجبات بارزة ومشهودة، كوليمة الملك بلشاصر في بابل قبل سقوط الإمبراطوريّة البابليّة الحديثة (539 قبل الميلاد)، ووليمة خشايار الأوّل في كتاب سفر أستير.

في اليونان، في الحقبة نفسها تقريباً، تُروى قصص الإنتصارات والهزائم في ملحمتَين رئيسيّتَين، وهما الإلياذة والأوديسة. إذعاناً لطلب زيوس، كانت كاليبسو تستعد للإفراج عن أوديسيوس [أو أوليس]، التي كانت قد احتجزته رهينةً لها. قبل إطلاق سراحه، تشاركا وجبة أخيرة قدّمها لهما العبيد، وتتألّف من الأمبروزيا (غذاء الآلهة في الأساطير) والرّحيق. ما زلنا لا نعرف تركيبة مشروباتهم، إذ أن الآلهة المتكتّمة احتفظت بالوصفات لنفسها.

غالباً ما كان المجتمع اليوناني يولد «آلهة» من داخله أيضاً، حيث كان الأغنياء ينفقون ثروات طائلة لإقامة الولائم على شرف ضيوفهم؛ والأرستقراطيون يتناولون الطعام أثناء استلقائهم على المقاعد، وتُقدَّم الأطعمة في آنيةٍ من الطين أو في الخبز مباشرةً، الذي كان الآكلون يمسحون أصابعهم به؛ وحيث كان العبيد يخدمون الرجال أوّلاً عن طريق وضع الأطباق على الطاولات التي كان ارتفاعها يختلف حسب المناسبة.

في مدن اليونان القديمة، كان الرجال يتمتّعون بتقليدٍ يُسمّى «السمپوزیوم» [بمعنى مُلتَقَى أو ندوة]، الذي تعود أصوله إلى التقاليد العسكريّة. كان السمپوزیوم بمثابة نادٍ أرستقراطيٍّ إجتماعيّ له قيم ومبادىء معيّنة، وهو ما تدعوه الباحثة بولين شميت ـ بانتيل «روح الجماعة والمُساواة».[4] في ذلك الوقت، يسبق كلّ مأدبة طقس لتقديم القرابين، ويليها الطّعام والشّراب. تجري هذه الإجتماعات الخاصّة بعد تناول الطّعام، وفي مناسباتٍ محدّدة فقط، سواء كانت خاصّة أو مدنيّة. كان الحاضرون يتّبعون مراسمَ معيّنة من الغناء وإراقة الخمر للآلهة. في بعض الأحيان كانوا يحلفون القسم ويقدمون التعهدات، ممّا يخلق حسّاً بالتآخي كان من شأنه، حسب الباحثة شميت ـ– بانتيل أن «يحوّل شاربي النبيذ إلى إخوة».[5] كان المقصود من جلسات السمپوزیوم إمّا الاتصال بالآلهة من خلال الحفاظ على جوٍّ من السّكينة والهدوء، أو ببساطة توفير بيئة ممتعة - من خلال شرب النبيذ - حيث كان الحوار ممكناً والشعر يُسمَع على نحوٍ حسن. تبدأ الجلسة بشرب كأس من النبيذ غير المُخفَّف، بعد ذلك يتم تعيين «رئيس الجلسة»، أو «ملك المأدبة»، الذي كان مسؤولاً عن تحديد نسبة خلط الماء بالنبيذ، وعن إبلاغ العبيد عن كيفية مزجهما وفقاً لتلك النسبة. كان رئيس الجلسة هو الوحيد المسموح له كسر العُرف واختبار قدرة بعض الحاضرين على الشّرب، طالباً منهم أن يشربوا أكثر من غيرهم.  

يُشربُ الكأس الأول تكريماً لزيوس وللعائلة الأولمبية. والكأس الثاني لاستذكار أرواح الأبطال. والثالث لزيوس سوتير (المُخلِّص).  كما يُقَدَّمُ الجبن والخبز، مما يسمح للجسم بامتصاص النبيذ بشكلٍ أفضل. كانت تلاوة الشّعر جزءاً مهمّاً من الجلسة، ما يمنح شعوراً بالمساواة للمجموعة. مع الوقت، صارت تُعقَدُ جلسات السمپوزیوم من دون تلاوة الشعر. وأحياناً كان يتم دعوة المحظيّات والراقصين والموسيقيين والمُهرّجين.[6  

وإذا كانت توجد طبقة إجتماعيّة معيّنة في اليونان القديمة تتميّز بإقامة المآدب الفاخرة والأعراس وغيرها من الولائم ، فقد كان يوجد من جهةٍ أخرى تياران ، وهما الأورفيّة والفيثاغوريّة، اللذان يوصِيان بحميةٍ نباتية وممارساتٍ تَقَشُّفيّة. بعض أتباع هذه الفلسفات كانوا يقتاتون على الخبز والماء، أو يحرمون أنفسهم من غير ذلك من الطّعام. في بعض المناسبات، كالمآدب الدينية، قد يتناول هؤلاء الأتباع بعضاً من اللحم.

كانت وجبات الرياضيين اليونانيين القُدامى مختلفة أيضاً. فقد تكوّنت حِميتهم بشكلِ أساسي من الجبن والخبز والتّين المجفّف.  ومع مرور الوقت، دخلت اللحوم في نظامهم الغذائي وبدأ الرياضيّون بالإمتناع عن تناول الحلوى والمياه الباردة. في القرن السّادس قبل الميلاد، كان المصارع ميلو الكروتوني يشرب أكثر من سبعة ليترات من النّبيذ يوميّاً، ويأكل تسعة كيلوغرامات من اللحم والخبز.


ياكوب جوردانس، «وليمة كليوباتر»، 1653. زيت على قماش، 156.4 بـ 149.3 سم.


إذا كان النبيذ هو الشراب المفضل لدى اليونانيين، فهو كذلك لدى الرومان. وإذا كان كلاهما يخفّف النبيذ بالماء، فذلك لتجنّب الظهور مخمورين في الأماكن العامّة، إذ كان الثَّمَل يعتبر حالة مُشينة وغير لائقة إجتماعيّاً. في وسط كبار التُّجار والأرستقراطيين، كان النبيذ مُكمِّلاً للولائم. كان يجب على الرجل المسؤول عن القبو (cellarius)، أن يُبقي النّبيذ بارداً خلال فصل الصيف ودافئاً خلال فصل الشتاء. وكان يُصَفِّقُ النبيذ ويمزجه بالعسل عند تقديم الكأس الأوّل، وينقع نبيذ الكأس الثّاني بالأعشاب. أمّا النبيذ الذي يًقدَّم مع الحلويات فكان من نوعٍ آخر.

لم يكن النبيذ هو الشّراب الذي استعملته كليوباترا للفوز بالرّهان بينها وبين عشيقها الإمبراطور ماركوس أنطونيوس، بل كان الخَلّ. أوّل من ذكر هذه الحادثة هو بلينيوس الأكبر في كتابه «التّاريخ الطّبيعي»، وقد تمّ تصوير الحادثة بالرّسوم مرّات عديدة خلال القرنين السّابع عشر والثّامن عشر في القصور الإيطالية، ومن قبل رسّامي العصر الذّهبي الهولندي والباروك الفَلَمَنكي.[7] تقول القصّة أن أنطونيوس كان يتفاخر بالحديث عن تناوله الطّعام الأغلى ثمناً في العالم. فقامت كليوباترا، من أجل التغلّب عليه في هذه اللعبة، بنَزع واحدة من أندر وأجمل وأغلى أقراط اللؤلؤ وأسقطتها في كوبٍ من الخَلّ. عندما تحلّلت اللؤلؤة بالكامل، شربت كليوباترا ما كان في الكوب. وبطبيعة الحال، لقد ابتلعت في تلك اللحظة أثمن شرابٍ على وجه الأرض، وفازت على عشيقها. وبالرغم من أن وليمة تريمالشيو التي يصفها بترونيوس في كتاب «ساتيريكون» هي قصّة خياليةّ، إلا أنها حتماً مُستوحاة من الولائم المُسرِفة والباذخة التي أصبحت رمزاً لمدينة روما في فترة تقهقرها وانحلالها.

في الأوساط «البرجوازية الكبرى» أو الأرستقراطية، كان العشاء يُقَدَّمُ في قاعة استقبالٍ رسميّة توجد فيها ثلاث أرائِك، كلُّ واحدة تستوعب مُتَعشّياً واحداً مستلقياً. تعتمد عمليّة إجلاس الضّيوف على تسلسلٍ هرمي معيّن، حيث يجلس الوُجهاء إلى جانب المُضيف. أمّا إذا أحضر أحد الضيوف صديقاً له، فيجلس الصديق خلف الضيف. في هذا الجوّ المُضاء بأناقة، كانت الأرضيّات مزخرَفة بالفسيفساء، والحجرات مزيّنة بالنوافير والنباتات والطاولات والأَسِرّة. يعود استعمال مفارش المائدة إلى القرن الأوّل قبل الميلاد، فلم يعد هناك حاجة لأن يقوم العبيد بتنظيف الطاولات خلال جلسة الأكل. أمّا الطعام فيُسكَبُ في آنيةٍ خزفيّة مُطعّمة بالبرونز أو الفضّة، أو حتّى بالذّهب.

في عاصمة الإمبراطورية الرومانية، التي كانت لا تزال في ذلك الوقت تمارس ثقافة أضحويّة ، كانت المطابخ الدّاخنة والمسودّة في البيوت العاديّة تختلف تماماً عن مطابخ قصور الأثرياء المزدحمة. هناك، كان العديد من الطبّاخين المشغولين حول الأفران يُطيعون أوامر رئيس الطُّهاة. وعلى غرار جميع الولائم الكُبرى في ذلك الوقت، كانت المأدبة تتألف عادةً من ثلاث وجبات. وكان يتم إعلام الضّيوف بقائمة الأطباق منذ البداية. المقبلات تتضمّن أطباقاً تحتوي على الجبن والبيض والخضار والفطر والمأكولات البحريّة، أو حتّى الدّواجن المطبوخة والپاتيه، والتي كانت تُقدّم للتذوّق (الوجبة الأولى). بعد ذلك تأتي الوجبة الثّانية (prima mensa)، التي تحتوي على مختلف أنواع اللحوم الموسميّة المطهوّة مع الصلصات الحلوة- المالحة المصنوعة من التفاح والخوخ والعنب، والتي تقدم عادةً مع الخضروات. كان يُطلَبُ من العبيد تقطيع اللحم إلى قطعٍ صغيرة  ليتمكّن الضيوف المتّكئين على ذراعهم الأيسر، من تناولها باليد اليُمنى من الأطباق نصف الممتلئة، كما كانت تقتضي قواعد السلوك الصارمة حينها. وأخيراً يأتي دور الأسماك والمأكولات البحريّة المشويّة والمحشوّة أو المحضّرة بالفطائر، ويليها عادةً الخضار المطهوة أو المهروسة. وفي الوجبة الأخيرة secunda mensa))، يُقدَّم الخبز المَقلي والعصائد وكعكات الفواكه، بالإضافة إلى مختلف أنواع الحلويات.  

تتّسم بعض تلك الوجبات بصفة الأسطورية، كتلك التي نُسِبَت إلى الذّواقة الرّوماني ماركوس غافيوس أبيشيوس في القرن الأوّل الميلادي، الذي لم يكن يتردد أبداً في المزايدة على سمكة طازجة في المزاد العلني في الميناء، وكان دائما على استعداد للإبحار باتّجاه شواطئ ليبيا لشراء أنواع معيّنة من الرّوبيان. (تقول الحكايات المتبقيّة  أنه عند عِلمِهِ بأن الروبيان هناك لم يكن أفضل من ذلك الموجود في روما، كان يأمر القارب بالعودة إلى الميناء). أبيشيوس، هذا الذواقة الشهير الذي عايش أهمّ الشخصيات الإجتماعية البارزة في عصره، كان طاهياً غير تقليدي إشتهر بإعداده أطباقاً غريبة الأطوار تحتوي على مكوّناتٍ عجيبة -  كألسنة النّحام الوردي (فلامينغو) وكراعين الجِمال وطيور النّعام المشويّة – ليثير إعجاب ضيوفه البرجوازيّين. تم تجميع وصفاته في مخطوطتَين: الأولى مخصّصة للصّلصات؛ بينما تقدّم الثانية، المعروفة اليوم بـ«باب الطّهو» أو بعنوانها الأكثر شيوعاً «أبيشيوس»، مجموعة من الوصفات المُنظَّمة في عشرة أجزاء.

أمّا أولئك الذين لم يتمتعوا بامتيازات كافية لمشاركة وجبات الطعام المطبوخة من قبل أبيشيوس أو رجل السياسة الروماني لوسيوس ليسينيوس لوكولوس، فكان يمكنهم الحصول على وجبة سريعة من الباعة المتجولين، والتي غالباً ما تكون مسودّة من الدخان. أو يمكنهم تناول بعض السمك المقلي أو النّقانق أو لحم الخنزير من إحدى حانات النبيذ المحليّة المعروفة بإسم پوپيناي (popinae)، وهي الممارسة التي تمثل بداية تجارة الوجبات السريعة الجاهزة. يمكن للرجال أيضا تناول الطّعام في ما يسمّى «ثيرموپوليا» (thermopolia، أي مكان لبيع الأطعمة الساخنة)، ومن ثمّ زيارة بائعات الهَوى المتواجدات في حجراتٍ مجاورة. 

بعد بضعة قرون، في مدينة بغداد المزدهرة، إكتسب الطعام والطّهو أهميّة متزايدة. كان الخلفاء والوُجهاء يشاركون بصفةٍ مباشرة في ابتكار وصفاتٍ جديدة من المكوّنات التي يحبّونها. تشهد النصوص الأدبيّة -  بما في ذلك النثر والشعر وكتب الطبخ والوثائق التاريخية - على الولائم والإحتفالات الغادِقة التي كانت تُقام في ذلك العصر. واحدٌ من الأحداث الذي كثيراً ما كُتِبَ عنه هو زواج سابع خلفاء بني العبّاس، أبو جعفر عبدالله المأمون، ابن هارون الرشيد، من الجميلة و الموهوبة بوران، وهي نجلة وزير سابق كان أيضاً حاكم بلاد فارس. بعد أن مورِسَ عليه الحظر لأسبابٍ سياسيّة، أقام والد العروس حفلة زفافٍ مشهودة وبارزة،[8] قدّم فيها هدايا قيّمة لكلّ واحدٍ من المدعوّين. بسخائه هذا، لم يكن يزوّج ابنته من الأسرة المالكة فقط، بل كان يضمن أيضاً سلامته ومكانته الإجتماعيّة. دخلت نبتة الباذنجان إلى مطابخ وأطباق الشّرق الأوسط لأوّل مرّة خلال العصر العبّاسي، وذلك بفضل ذائقة بوران. وقد حملت الكثير من الوصفات اسمها لحوالى 150 عام بعد مماتها،[9] وبعضها لا يزال يحافظ على اسم «بوران»" حتّى اليوم.

سمحت العادة بإقامة مآدبٍ عامرة لحركة «التَّطفيل» بالتوسّع. الطّفيليّون (من «طُفيلي»)، هم ضيوف  غير مدعوّين كان من عادتهم الإنضمام إلى الحفلات وتناول ما يستطيعون من طعام. وبالرغم من نصيحة الآباء لأبنائهم بعدم حضور أي حدث إن لم يتلقّوا دعوة، فالتَّطفيل هو تقليدٌ موروث من عصور ما قبل الإسلام، وقد ارتبطت ممارسته لاحقاً بالنبي محمّد.

تقول الأسطورة أن جاراً للنبي محمّد قام بدعوته في أحد الأيام لتناول يَخنةً مميزة كان قد أعدّها. فسأله النبي إن كان بإمكانه اصطحاب عائشة، زوجته المفضّلة، ولكن جاره رفض. ولمّا كان النبي يعظ بأن من لا يقبل دعوةً قدمت له فهو يتحدّى مشيئة الله، وبأن من يحضر من دون دعوة فهو لِصّ، كان عليه أن يلتمس لجاره المَطلب ثلاث مرّات، إلى أن وافق هذا الأخير.

بعض الناس اعتادوا البقاء بين أوساط النبيّ لتعلّم آيات يعرفونها مسبقاً، فقط بهدف تناول الطّعام مجاناً، الأمر الذي يعتبر نوعاً أكثر تحفّظاً من التَّطفيل. آخرون كانوا يُعلِمون مضيفيهم بأنهم سيحضرون إلى الوليمة بمفردهم أو بصحبة صديق. كان الطُّفَيلي المشهور إبن درّاج يصل إلى حد التهديد بأنه «إن لم يحضر العرس، فسوف يحوّله إلى مأتم».[10]

كالذبابة التي تحطُّ على الطعام أو تهبط في الكوب، الطُّفَيلي هو أيضاً ذلك الضّيف الذي يطيل المكوث ويستغلّ كرم الشخص المُضيف. توجد العديد من القصص حول الطرق والوسائل المختلفة التي يستخدمها المُضيفون للتخلّص من الضيوف غير المرغوبين الذين يتجاوزون الحدود  

مع ذلك، كان فن التَّطفيل في النصوص المكتوبة مذموماً وممدوحاً بالقدر نفسه. غالباً ما كان الطّفيليّون عشّاقاً للأكل، ولكن أبخل من أن يدفعوا ثمن أصغر وجبة من الطعام. بعضهم كان يسافر مسافات طويلة لحضور مأدبة لم تتم دعوتهم إليها، حيث يصبحون موضع سخريةٍ واستهزاء. يُقال أنه عندما يُسأل الطفيليّون عما إذا كانوا يستمتعون بالطعام، تقتصر إجابتهم على كلمة «نعم» القصيرة، لكي لا يضيّعوا لقمةً في حال أجابوا بإسهاب.

إعتبر البعض أن فَرض الطفيلي لنفسه على المأدبة هو شرفٌ للمُضيف. ويُظهِرُ الطفيليّون مهارةً بارعة في ابتكار الطرق التي تمكنّهم من دخول المنازل التي تُقام فيها الولائم. فقد يدخلون متوجّهين نحو مهاجع النساء مثلاً، مدركين أن ذلك من شأنه أن يثير ردة فعلٍ فوريّة لدى العاملين في المنزل. فيقطع الموظفون الطريق أمام هذا الدّخيل ويقودونه نحو البوابة الرئيسية. كان التطفّل على الحفلات بالنسبة لكثير منهم وسيلة  لصنع أصدقاءٍ جدد. بعضهم انتمى سابقاً إلى طبقة النبلاء. وغالباً ما كانوا متّقدي الذكاء وحتّىكرماء . لذا، كان لقاء مثل هذه الشخصيّة يشكّل مصدر متعة لصاحب المنزل وضيوفه.

كان للطفيليين الموهوبين موسيقيّاً القدرة على إدهاش الحشود بمَلَكَتهم، فيُفتَنُ الضّيوف بإيقاعات الدف ويُطرَبون لألحان العود. حتّى أن بعضهم استطاع الزواج من أخت المُضيف أو مغادرة الحَفل مع إحدى المَحظيّات كمكافأة من سيّد المنزل على ظرافتهم وذكائهم.

وإذا حصل أن شعر الطّفيلي بأنه غير مرغوب فيه من قبل الضيوف، قد يشرع بالتهام ما استطاع من الطعام، ما يثير المزيد من التوتّر. هذا الشَّرَه، كما يوصَف غالباً في النصوص الأدبيّة، قد يظهر أيضاً في قصور الخلفاء. طُلِبَ من أحد الطُّفيليين تذوّق صنفَين من الحلوى -  «الفالوذج» (وهو عصيدة مَضِغة وسميكة تُصنَعُ من العسل وزيت السّمسم والنّشاء الحلو ومياه الورد والكافور والزعفران)، و«اللوزينج» (قطائف اللوز) - لتحديد أي واحد ألذّ من الآخر.  راح الطّفيلي يقضم لقمةً من واحدة ويبتلع قطعةً من الأخرى بعجلة، ثم اعترف للخليفة أنه عاجز عن الإستقرار على قرار، وقال بأنه ما إن يشرف على الإختيار حتّى يدعوه الصّنف الآخر لإعادة النظر. وسرعان ما ابتلع الطّفيلي عشرات القطع، ما أثار غضب مُضيفه هارون الرّشيد، فما كان من الخليفة إلّا أن رمى بالطّبق بعيداً، مُهدِراً ما تبقّى فيه من حلوى.[11]

ردّاً على الإنتقادات، كان الطفيليّون يقولون أنه في حال عدم حضورهم، سيُترَك المُضيفون ليأكلوا وحيدين بائسين. وهم غالباً غير ميّالين إلى تقديم المساعدة، هم الذين يجيبون أن، ، إثنان زائد إثنان بالنسبة لهم يساوي قطعتين من اللحم وقطعتين من الخبز. عموماً، كان الطفيليون ماكرين وذوي مخيّلة خصبة. فطنتهم وذكاؤهم ساعدا في جعل التَّطفيل فنّاً حقيقيّاً وأسلوب حياة.

كان الطُّفَيلي، على غرار الشاعر الأنيق بنان، شديد الفخر بمهنته، إذ كان ضيفاً غير مدعو لأكثر من ثلاثين عاماً. وقد اتخذ تلميذاً واحداً فقط تحت إشرافه – حتّى وإن نفى ذلك لاحقاً -  وعلّمه كيف يحضر باكراً للجلوس في مكانٍ جيد ومقابلة النخبة وتناول أجود القطع. كان ينصح بالمغادرة قبل إزعاج الشخص المُضيف، وبالجلوس على يمين الحشد من أجل مراقبة ورَصد الحفل بأكمله. يردد دوماً أن تناول الطعام مع الأصدقاء لم يضر أحداً بعمره، وهو يبرع أيضاً بالحديث عن أطباقه المفضّلة: المديرة (لحم مطبوخ باللبن)، والسكباج (طبقٌ مُنمَّق من اللحم والباذنجان والجزر والبصل)، والعدسيّة (عدس مطهوّ مع البصل والملح)، والفالوذج. ذوّاقٌ أصيل، كان ينصح المدعوّين بعدد اللقمات التي يجب تناولها من كل طبق، ومتى تناول المزيد، إلى أن يسقطوا تعباً.

وعلى نقيض الشَّرَه، سرعان ما ظهرت في بغداد العصر العبّاسي حركة تعرف بإسم «الظُّرَفاء».[12] وُلِدَ الظُّرفاء في سوريا والعراق في وسطٍ من التّجار الأغنياء، وكان يُشار إليهم بـ«ظرفاء الكوفة»، المدينة الواقعة في جنوب العراق.[13] في البداية، إتّسمت هذه الحركة التي تطوّرت عبر القرون بالفجور وبالفسوق الفاضح والنفور من الأوساط الدينيّة. أما في عهد بغداد، فقد تركّزت تلك الحركة بشكلٍ أساسي حول مفهوم السّلوك اللَّبِق والكَيِّس واللباس الأنيق والمُراعي للتفاصيل والمجوهرات الثمينة والذّوق الرّاقي في الأكل. من بين أكثر ظريفات الكوفة لباقةً كانت عريب، وهي جارية مغنّيةٌ، وماجن المغنّية، وتباريح التي كانت تعبّر عن نفسها بالحب والهَوى.[14] كانت تلك النساء تأكلن لقمات صغيرة فقط، وتتفادى قطع اللحم المُعتادة وأعضاء الحيوانات. الجرجير، الفجل، الكُرّاث، البصل، الفاصوليا، مكسرات البلوط، التّمر المُحمَّص، كل هذا كان ممنوعاً في حميتهنَّ الغذائية. لم يشربن سوى أرقى أنواع النبيذ الذي كان، وفقاً للباحث فريد غازي، «يُخَمَّر تحت حرارة الشّمس»،[15] وكنَّ يرتشفنَ المشروب بينما يتلذّذنَ بتذوّق البندق والفستق والسّفرجل والتفاح الدّمشقي. كان الظُّرفاء وِدّيين وخفيفي الرّوح ومتجنّبين للمشاكل. هم توّاقون للمعرفة، كانوا يعلمون متى عليهم البقاء صامتين، يختارون معارفهم بعناية ويفضلون الفقراء المثقّفين على الأغنياء الجاهلين.

وصل تأثير الظُّرفاء من بغداد إلى الأندلس الأمويّة. كان الموسيقي المعروف بإسم «زرياب» هو المُرَوِّج الرئيسي للحركة. فقد وضع المبادئ التوجيهية للوجبات الراقية في قرطبة. كما وضع أيضاً الترتيب لتقديم الأطباق، بدءاً من الحساء، مروراً باللحوم والدّواجن المتبّلة، وانتهاءاً بالحلويات. كما قام بتغيير أدوات وأواني المائدة، واستخدام زجاجيّاتٍ ثمينة بدلاً من أكواب الذهب والفضة.

وعندما تحوّل البروتوكول وحسن السّلوك إلى مدرسة فكرية، قامت بعض الشخصيّات الرّفيعة المستوى بتبنّي نمط الحياة هذا، من بينها الجارية «قَمَر»، محظيّة أمير إشبيلية، بالإضافة إلى رجال الأدب والفقه المرموقين في الأندلس. تأتينا قواعد السلوك الأساسيّة لهذه الحركة من كتاب «المُوَشَى، أو الظَرف والظُّرفاء»، الذي وضعه أبي الطيب محمد الوشاء في القرن العاشر.


نعجة مذبوحة خلال ذكرى عاشوراء في النبطيّة، جنوب لبنان، 2016.


من الواضح أن الإنسان قد ميّز منذ بداية الحضارة بين استهلاك الطّعام كوسيلةٍ للعيش، وبين استخدامه كأداةٍ للسلطة. شكلّت الولائم والإحتفالات تقليداً مبكّراً في الشّرق الأوسط، وكانت لها أهداف عديدة. من خلال تلك الأحداث الإجتماعيّة، كان البشر يسعون لاسترضاء آلهتهم، وبكرمهم، كان الملوك والوُجهاء يفرضون سيطرةً أوسع على شعوب ممالكهم. ساعدت جلسات تناول الطعام على إبرام الصفقات التجارية والإحتفال برباط الزواج، وعلى إثارة إعجاب الأثرياء وتكريم الوفود الأجنبية. وقد استُخدِمَت أيضاً لتكريم الإنجازات، أو ببساطة للتعرّف على ناس جدد.

اليوم، لا تزال آثار هذه التقاليد القديمة موجودة في معظم مجتمعات الشرق الأوسط، فقد استُبدِل مفهوم الطّفيلي بما يسمىّ «pique-assiettes»، وهي عبارة فرنسيّة تصف الأشخاص الذين فقدوا الطّرافة والموهبة والكرم وهم ببساطة «يسرقون من الأطباق»، كما تقول العبارة. وإذا كانت ثقافة التّضحية الطَّقسيّة قد اختفت من المنطقة بشكلٍ كاملٍ تقريباً – باستثناء بعض الإحتفالات الدينيّة المعيّنة (مثل ذبح الأغنام في عيد الأضحى وعاشوراء وغيرها من المراسم البارزة) –  فإن مفهوم الآلهة الموجودة بين البشر لم يختفِ، وهي تتلقّى الأضاحي باستمرار. إذ تقدّم الشخصيات البارزة وأعضاء الأحزاب والمرضى وأبناء العائلات الهدايا للسياسيين والأطباء وغيرهم. من أكثر أصناف الهدايا شيوعاً في لبنان هي الفاكهة الموسميّة والعسل والزيتون وزيت الزيتون والعرق.

من الناحية المجازية، هذه الآلهة المعاصرة، سواء كانوا حُكّاماً ملوكيين أو زعماء فانين، لم تعد تتناول طعامها وهي مضطجعة على الأرائِك. بل تجلس على كراسٍ مواجهة لطاولة مغطّاة بمفارشٍ أنيقة وآنيةِ فضية وزجاجيّات، خصوصاً عند استقبالهم لوفودٍ رسميّة. في بعض المناسبات، تكون عناصر التّرفيه موجودة، فيتواجد المغنون النجوم والفرق الموسيقية المحليّة ، وقد تحضر الراقصات الشرقيات في بعض المناسبات.

مدعوماً بنظام تتوصيل فعّال، بات اليوم تقليد الـ«popinae» الروماني للوجبات السريعة بأوج ازدهاره. تتناول العائلات -  حيث للنساء برامج وساعات عمل  عصريّة وطويلة، وارتباطات بأنشطة والتزامات اجتماعيّة-  الوجبات الجاهزة مرّة واحدة في الأسبوع على الأقل. دفعت هذه التجارة النّاجحة، والواسعة الإنتشار بين الطُّلاب وجيل الشباب في المدن، بالعديد من الشركات المحليّة والعالميّة لفتح فروعٍ في الشوارع الضيّقة والطرّق الرئيسيّة الكُبرى والمواقع قيد الإنشاء في جميع أنحاء المنطقة.

وفي أعقاب الميل العام نحو أسلوب حياة أبسط وأكثر تحفظاً، فإن بعض السياسيين ورجال الدين لا يشعرون بالحاجة لاستخدام الولائم الفخمة كطريقة لعرض نفوذهم. ويقال، على سبيل المثال، أن زوجة الرئيس اللبناني ربة منزل بسيطة، أمّ وجدّة كانت تطبخ لعائلتها بنفسها؛ وبأن رئيس الحكومة كان يطلب وجباته اليومية من مطعم عادي يقدم أطباقاً تقليدية.

مع ذلك، فإن بعض الشخصيات العامة لا تزال مجهزة لتموين الإحتفاليات الكبيرة. تقدّم بعض الشخصيات السياسية البارزة الطعام لطاقمٍ ضخم بشكل يومي، وهم قادرون على استضافة أكثر من خمسمئة ضيف، وتقديم أطباق رفيعة (من المطبخ المحلّي والعالمي) يتم تحضيرها في مطابخهم الخاصّة. بين حينٍ وآخر، تستضيف حفلات  الأعراس أكثر من ألف مدعو في مواقع معدّة بدقّةٍ وإتقان، يُقيمها عادةً أهل العروس، وتنتهي بألعابٍ ناريّة ملوّنة (ومرتفعة الثّمن). أحياناً، لأسباب تتعلق بالسياسة أو المجتمع ، تقوم العائلات البارزة بتنظيم حفل زفاف أولادها في الخارج، لا سيما في أوروبا. تتوافق هذه المناسبات مع البذخ الذي شهدته الحضارات الماضية. ولانبهارها بالعظمة والفخامة، تنشر وسائل الإعلام العالميّة صور تلك المناسبات، فضلاً عن تفاصيل الأنشطة المختلفة وقوائم الطعام وأسماء أبرز الضّيوف.

ساهمت كل هذه الوجبات – ثريّة أو متواضعة، باذخة أو عاديّة – في الحَيَوات الإقتصادية والثقافية والإجتماعية والسياسية للإمبراطوريات السابقة، تماماً كما تفعل اليوم في جميع ممالك وبلدان العالم. ومن ذلك الماضي السّحيق، أصبحت العديد من الأطباق أساساً لطعامنا اليومي في الشرق الأوسط وأوروبا.  فنحن نعتاش عليها حتّى يومنا هذا.  

[1] جان بوتيرو، La plus vieille cuisine du monde [أقدم مطبخ في العالم] (باريس:  دار أوديبيرت، 2002)، 73.

[2] فرانسيس جوانز، «The Social Function of Banquets in the Earliest Civilizations» [الوظيفة الاجتماعية للمآدب في الحضارات القديمة]، عن Food: A Culinary History from Antiquity to the Present [الطعام: تاريخ الطّهو من العصور القديمة وحتى الوقت الحاضر]، من إعداد جان لويس فلاندرين وماسيمو مونتاناري (نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا، 1996)، 32-37.

[3] من الجَذر اللغوي: خاء/تاء/ميم، «خَتَمَ».

[4] بولين شميت-بانتيل، «Greek Meals: A Civic Ritual» [الوجبات اليونانية: طقوس مدنيّة]، عن Food: A Culinary History from Antiquity to the Present [الطعام: تاريخ الطّهو من العصور القديمة وحتى الوقت الحاضر] (نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا، 2013)، 90-95.

[5] المرجع نفسه، 98.

[6] «سيسيتيا» (tà syssítia)، كانت نوعٌ آخر من الجلسات، يتم خلالها تناول وجبة مشتركة بين الرجال والنّاشئة.

[7] ومن الأمثلة على ذلك: ياكوب جوردانس، «وليمة كليوباترا»، 1653؛ جيرتر زو ليريس، "مأدبة كليوباترا"، حوالى 1675؛ يان دو براي، «مأدبة كليوباترا».

[8] تشارلز بيري، «Buran: Eleven Hundred Years in the History of a Dish» [بوران: أحد عشر سنة في تاريخ طبق]، عن Medieval Arab Cookery: Essays and Translations [الطّهي العربي في القرون الوسطى: مقالات وترجمات]، لـ ماكسيم رودنسون، أ. ج. آربيري، وتشارلز بيري (ديفون:  دار بروسبكت بوكس،  2001)، 241-242.

[9] المرجع نفسه، 242.

[10] الخطيب البغدادي، مختارات من Selections from the Art of Party-Crashing in Medieval Iraq [التّطفيل وحكايات الطُّفَيليَين ونوادرهم وأخبارهم]، ترجمة وصور إميلي سيلوف (سيراكيوز: مطبعة جامعة سيراكيوز، 2012)، 80-81.

[11] المرجع نفسه، 80 – 81.

[12] يمكن تصنيف تطور الحركة إلى ثلاثة فصول: الظرافة الناشئة؛ والظرافة المزدهرة للإلهام السّاساني التي كان ينتمي إليها الشعراء، وعلماء الأدب وفقه اللغة، فضلا عن الإقطاعيين والتجار الأغنياء؛ وأخيرا، الظرافة المنمّقة، عندما أصبحت تطلعات الحركة أكثر تديّناً. 

[13] ذُكِرَ في «كتاب الأغاني» لـ أبو الفرج الأصفهاني.

[14] فريد غازي، «Un groupe social: Les raffinés» [الظُّرفاء: فئة إجتماعيّة]  11 Studia Islamica.

(1985)، 54.

[15] المرجع نفسه، 61.



ترجمه عن الإنكليزية زياد شكرون.

بريجيت كالاند طاهية ومترجمة ومتخصّصة بمواءمة وصفات الأكل القديمة مع المطابخ الحديثة. تُدَرِّس العِبرِيّة العَرَبيّةـاليهوديّة والتّوراتيّة في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، وتبحث في تطبيق التّحليل النفسي على الأدب في معهد اللغات والحضارات (INALCO)، في باريس. عملت كالاند سابقاً في الإنتاج والتوزيع السينمائي في لوس أنجليس، كما كانت عضواً في الفريق الفرنسي الوطني للسباحة. حاليّاً، تدير محترف والدتها الرسامة أوغيت الخوري كالاند.

زياد شكرون (بيروت، 1982) ممثل ومترجم يعيش ويعمل في بيروت ومدريد. حائز على بكالوريوس في المسرح من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وعلى ماجستير في الترجمة من مدرسة طليطلة للمترجمين في إسبانيا. من آخر  ترجماته كتاب «زمن العين وعمره» لـِ وليد صادق (من العربيّة إلى الإسبانيّة)، و«كيف تعرف ما الذي يجري حقاً» لـِ فرانسيس ماكّي (من الإنكليزيّة إلى العربيّة).