أمل أعمى

Print

نظام النيران الجوفية، أثاناسيوس كيرشر، «العالم الجوفي»، المجلد رقم 1، 1678.


تأخر الربيع كثيرا هذا العام. وعندما حلّ أخيرا تدفقت الحياة في عروق النباتات، فنمت الأوراق بين يوم وليلة، وتفتحت البراعم على عجل. أزهارُ شجرة الكرز أغرقت الحديقة الخلفية بلونها الزهري، والأوراق الزاهية تكاثرت على أغصان شجرة الجوز المجاورة. لم تعد هذه هي الحديقة نفسها، فقد استيقظ فيها كل شيء فجأة. وانطلقت الحشرات الصغيرة تتجول بين الزهور البازغة حديثا. وملأت المكان سقسقات القُبّرات الصغيرة والعقاعق الكبيرة. ضوء الشمس الساطع الذي تسبح فيه الحديقة كان دافئا، لكن الهواء الذي يمر بين أوراق الشجرتين كان لا يزال باردا. كأنه يتسلل من نافذة صغيرة نسيها أحدهم مفتوحة في أرض الشتاء البعيدة. وما أن تمر سحابة في السماء وتحجب الشمس، حتى تتجدد ذكرى تلك الأرض المهجورة وبرودتها القاسية. الهواء البارد يمرّ فيقلّب أوراق شجرة الجوز، ويهز زهور شجرة الكرز. والنور الباهر يطلّ من النافذة الزجاجية ويلقي بأشعته الساطعة على طاولة المطبخ الصغيرة، فيفصل الأشياء بدقة عن ظلالها، بعد أن ظلّ ضوء الشتاء الرمادي يدمجهما معا. 

قالت نور: «ماما، على أي عمق يجب أن أضع البذرة؟» كانت تقف بجوار النافذة وتمسك بأصيص زرع صغير مملوء بالتربة. أجابتها مروة: «يمكنك أن تضعي البذرة على عمق إصبع كامل لإن أصابعك صغيرة». غرزت نور أصبعها في سطح التربة التي أحضرتها من الحديقة الخلفية، ثم أخرجته ووضعت حفنة من بذور الريحان في راحة يدها، وأخذت تنظر إليها مترددة. ثم سألت: «كم بذرة أضع؟» فردت أمها: «ضعي أكثر من بذرة، في أكثر من حفرة». انشغلت مروة بتنظيف طاولة الطعام في المطبخ، وحملت صحني الفطور إلى المجلى. لكن نور بقيت في مكانها ممسكةً ببذور الريحان في يدها وهي حائرة، ثم قالت: «لكن الدنيا معتمة على هذا العمق يا ماما». أجابتها مروة: «البذرة تحب أن يلفها الظلام التام قبل أن تبدأ في النمو. وإذا وضعناها تحت السطح مباشرة لن تستطيع جذورها أن تكون راسخة في التربة». لم يبدُ على نور الاقتناع، لكنها وضعت في كل حفرة من التي حفرتها بأصبعها في الأرض ثلاث بذرات، ثم أهالت عليها التراب. فتحت مروة درج طاولة المطبخ، وفحصت محتوياته على عجل ثم أغلقته. بعدها تطلعت إلى نور التي كانت مشغولة بحبات التراب التي تجمعت تحت أظافرها، وقالت لها: «والآن هيّا بنا لأننا تأخرنا على المدرسة، وارتدي معطفك لأن الجو لا يزال باردا».

«الكلمة قشرة داكنة نمت فوق جرح. لا تحمل معها معناها فحسب، بل تحمل معها أيضا الخدوش التي أصابت ذلك المعنى. فكل كارثة تترك آثارها على اللغة، حتى وإن لم تُر بالعين المجردة. وأين يمكن رؤية تلك الندوب؟ في المعاجم. المعاجم التجريبية التي يبحث عنها مشروع «معجم الندوب» هي معاجم لا تبحث في جذور الكلمات أو أصلها الإيتمولوجي كما تفعل المعاجم القياسية، وإنما تبحث عن الندوب التي خلفتها الكوارث السياسية والاجتماعية فوق الكلمات. لم تعد كلمة الشجرة تشير إلى صورة الشجرة الضاربة بجذورها في الأرض، وإنما تحمل الكلمة داخلها شجرةً أخرى لم تعد تقف في مكانها، شجرة اقتلعت من أرضها. داخل كل مفتاح يكمن مفتاح آخر معطّل، مفتاح مدفون في الأرض ينتظر أصحابه لكي يعودوا إلى بيت لم يعد موجودا. كلمة البيت لم تعد تعني مكان السكن فقط، وإنما تعني أيضا بيتا مفقودا. فهل يصلح المعجم إذاً شكلا من أشكال كتابة التاريخ؟».

أشياء صغيرة يمكنها أن تجعل مروة تشعر بأنها محظوظة للغاية. مثل أن تجلس في الاستديو الذي تتقاسمه مع صديقتها سارة، وتسمع عبر الحوائط الأصوات المتسربة من غرف بروفات الموسيقيين الموجودة في الطابق الأعلى، وتراقب في الوقت نفسه اهتزاز ذيل السمكة الخشبية الموجودة على طاولة سارة. لا أحد من الموسيقيين يستطيع أن يرى تأثير نغماته على الغرفة، ولا تستطيع السمكة أن تسمع صوت الجيتارات الخافتة التي تهتز على وقعها. وحدها مروة هي من بإمكانه أن يسمع ويرى عالمين منفصلين في الوقت نفسه، وعندما تدرك ذلك، تشعر أنها محظوظة للغاية. ثم دق جرس مكالمة السكايب التي تنتظرها. كانت سارة على الطرف الآخر تتحدث إليها من بيروت. فقد سافرت إلى هناك قبل ثلاثة أيام لتجهز لمعرضها الأول هناك. كانت سارة في مزاج جيد، بعد أن كانت متوترة كثيرا قبل السفر. وراحت تتحدث بصوت منفعل عن أيامها الأولى في المدينة، وتحكي لصديقتها كيف أنها تقضي وقتا طيبا رغم أن التجهيزات تسير ببطء شديد. مرت برهة من الصمت، ثم قالت مروة: «سارة، ما كان لي أن أعبر الأشهر الماضية من دون مساعدتك. شكرا». فقالت سارة «لا تقولي هذا يا حبيبتي، أنا لم أفعل شيئا». سكتت لوهلة ثم أكملت: «اسمعي، تعرفت أمس على صاحب دار ناشر صغيرة، ورويتُ له عن مشروعنا، فأبدى تحمسه لنشر المعجم. واقترح نشر المعاجم التي سننجزها منفردة أولا، قبل نشرها مجتمعة في كتاب واحد تحت اسم معجم الندوب كما كنا نخطط». فأعجبت الفكرة مروة. 

من نافذته في الطابق الأول أطلّ سامي ناظرا إلى الحديقة الخلفية، وهو يرتشف ثمالة كوب القهوة. ثم ترك الكوب بعد الفراغ منه على حافة النافذة، وحمل مفتاح السيارة الموضوع جوار الباب، ونزل من شقته. في بهو البيت التقى مروة، التي كانت تقف أمام صندوق بريدها الخاص، وتمسك بمظروف رسالة وقد قطبت جبينها. حياها سامي، ثم سألها وهو يتطلع إلى الرسالة التي بين يديها: «هل وصلتك أنت أيضا رسائل من الشركة الجديدة؟» فأجابته مروة: «هذه رسالة من شركة عقارات لا أعرفها اسمها ايمو جروب». وأرته مظروف الرسالة. فقال سامي إنها بالفعل شركة العقارات الجديدة التي اشترت البيت. وأردف: «الشركة الدانماركية التي سبق واشترت البيت باعته الآن لشركة عقارات إسرائيلية». فأظهرت مروة دهشتها قائلةً: «حقا؟»، وعلّق سامي مبتسما: «يبدو أن الإسرائيليين وراءنا في كل مكان». فضحكت مروة. الرسالة الأولى التي تلقاها سامي من الشركة الجديدة استأنفت المفاوضات التي بدأتها الشركة القديمة معه لكي يرحل عن شقته، وعرضت عليه ١٠ آلاف يورو نظير الرحيل الفوري. سألته مروة: «وهل تنوي فعلا ترك الشقة؟» فأجابها قائلا: «بالطبع لا، أين يمكنني أن أجد شقة معقولة؟ برلين تغيرت كما تعرفين. أنا أريد أن أعرف فقط سقف تعويضاتهم». نظرت مروة إلى المظروف الذي في يدها بقلق، فقد هددتها الشركة القديمة بإقامة دعوى قضائية ضدها، من أجل طردها من البيت، لأنها أجرته مرةً من الباطن من دون إذن. ظلّ سامي يتطلع إلى مروة ثم قال: «الطابق الثاني خلا من سكانه، وشرعت الشركة في تجديد الشقق ليعيدوا تأجيرها بسعر أعلى. كذلك الطابق الرابع. لم يعد سوانا وأنتم في الثالث وفراو دوزيدلا العجوز في الطابق الأرضي».

وقفت نور بجوار أصيص الريحان تنظر إليه بعد أن سقته. لم يكن هناك أي أثر للبذور التي اختفت في باطنه. فقالت: «ماما، متى ستخرج النبتة إلى النور؟» فأجابتها مروة إنها بحاجة للمزيد من الوقت، إذ لم ينقضِ سوى بضعة أيام على وضعها في التربة. كانت مروة تجيب بآلية وهي شاردة تنظر إلى الرسالة التي في يدها. وبعد قليل سألت نور عيناها لا تزالان معلقين على الإصيص: «ماما، كيف يمكن للقمر أن يحرك البحار؟» انتبهت مروة وأزاحت الرسالة قليلا عن عينها ونظرت إليها. فروت نور أن أحد التلاميذ سأل اليوم المعلمة عن فائدة القمر، فأخبرتهم أن القمر ينير لنا السماء كما أنه يحرك البحار، لكنها قالت إنها ستخبرهم المزيد عندما يكبرون. فكرت مروة قليلا وقالت: «ربما هي تقصد حركتي المدّ والجزر». فالتفتت لها نور ورددت بدهشة الكلمتين. فشرحت مروة أن مياه البحار تتقدم أحيانا إلى الشاطئ، وتتراجع أحيانا أخرى، وأن تلك الدورة مرتبطة بحركة القمر. وعندما لمعت عينا نور ونظرت مستفهمة احتارت مروة قليلا ثم قالت: «أعتقد أن الأمر له علاقة بالجاذبية. ولا تسأليني عن الجاذبية الآن لأنني مشغولة». فردت نور: «أنا أعرف ما هي الجاذبية». فيما عادت مروة تنظر إلى الرسالة التي في يدها. ظلّت نور متسمرة بجوار النافذة، ثم قالت: «ماما؟» زفرت مروة بضجر وأجابت «نعم»، فسألت «هل يستطيع القمر أن يحرك الريحان في الأصيص فيجعله يخرج إلى السطح؟» فأزاحت مروة الرسالة بانفعال، وقالت: «نور، اذهبي إلى غرفتك الآن حتى أفرغ مما في يدي».

تسيل الفضة الخالصة كاسيةً السطح. تزحف شيئا فشيئا على التضاريس القليلة فيتشكل أرخبيل من الجزر الصغيرة المعتمة التي لم يستطع السائل الوصول إليها. لا تعرف الفضة سوى التمدد أو الانكماش، فهي لا تتكثف أو تتبخر. إذا وجدت مكانا تمددت فيه، وإذا لم تجد انكمشت، دون أن تزيد أو تنقص. هذا السطح المنير في السماء هو ميزان الكون. فالفضة السائلة التي تترقرق فيه لها من الرهافة والنقاء ما يجعلها مرتبطة بكل ما يسيل ويجري في هذا الكون. إذا اهتز سطحها اهتزازة بسيطة اهتز لها على الفور سطح سائل آخر. عبر آلاف الأميال تستجيب لأقل ميل في حركة الفضة الأنهارُ في جوف الأرض، والدماءُ في عروق البشر، والنسغُ في سيقان الأشجار. وبالمثل، كل ما يسيل في الكون يرتبط ارتباطا لا ينفك بِبِركة الفضة السائلة، فإذا تعرض مساره للانسداد، أو إذا تجلط فجأة وتوقف عن السيلان يهتز شيء على سطح الفضة، ويتجعد السطح قليلا.

سيارة سامي هي سيارة نقل صغيرة لونها أحمر، بها مكان لراكب واحد فقط بجوار السائق. بعد أن أوصل سامي ابنه إلى المدرسة اتجه إلى موعده لكي ينقل أمتعة أسرة تقوم بالعزال، لكن صاحب الأمتعة اتصل به وهو في الطريق وألغى الموعد بسبب مرضه المفاجئ. أغلق سامي الخط وغرق في التفكير، فقد كان يعوّل كثيرا على هذه النقلة بعد أيام طويلة من الانتظار. وقف يفكر قليلا ثم طلب أحد معارفه، وهو صاحب محل للأثاث المستعمل، لعله يحتاج من يقوم بنقل بعض القطع إلى محله، لكنه لم يرد. دار سامي بالسيارة دورتين في حي نيوكولن على غير هدى، ثم ذهب إلى محطة بنزين وغسل السيارة. قام بدعك سطحها المعدني جيدا من الخارج بالصابون السائل، ونظف داخلها بمكبس الهواء المضغوط. بعدها ركنها ونزل يضبط هواء الإطارات بنفسه. تطلع في تليفونه المحمول ثم أعاده في جيبه. لم يعد هناك ما يفعله في السيارة، فقادها مرة أخرى في شوارع نيوكولن، ثم انتقل إلى حي تربتو، حيث محل الأثاث المستعمل، على أمل أن يلتقي صاحبه، لكنه وجده مغلقا. فاشترى قهوة وزجاجة مياه صغيرة من كشك مجاور. ثم انطلق إلى حديقة تربتو الشاسعة، حيث ركن السيارة في الموقف الخاص بالحديقة. كان موقف السيارات خاليا في هذا الوقت من اليوم. نظر مرةً أخرى في تليفونه، ثم وضعه على الكرسي المجاور، وبقي في مكانه في السيارة.

-ماما، ماذا يعني المد والجزر بالعربية؟

-لا أعرف، سأبحث في المعجم.

-ماما، لماذا لا تحتاجين معجما للكلمات الألمانية؟

-لأن عربيتي ضعيفة يا حبيبتي.

-وهل ستكون عربيتي أنا أيضا ضعيفة؟

-إذا أردتِ ستكون عربيتك قوية يا حبيبتي. هل تحبين دروس اللغة العربية؟

-نعم. لكني لا أحب يزيد.

-من هو يزيد؟

-يزيد، ألا تعرفين يزيد؟ الولد الذي معي في المدرسة.

فتحت مروة أدراج مكتبها في البيت درجا درجا، وأخذت تتفحص محتويات كل درج جيدا، ثم تغلقه مرة أخرى. قالت نور: «ماما، عن ماذا تبحثين؟» أجابت مروة من دون أن تتوقف عن ما تفعله: «أبحث عن خاتمي، هل رأيتِه؟» أجابت نور: «أي خاتم؟» فأجابت بعصبية: «خاتم الزواج». ثم أكملت البحث على أرفف المكتبة وهي تقول: «أكاد أُجن، أين ذهب؟ لقد بحثت عنه في كل مكان». تابعت نور أمها وهي تزيح الكتب والأوراق من مكانها وتنظر تحتها، ثم قالت: «ماما، لماذا أنت حزينة؟» فتوقفت مروة عن البحث ونظرت إلى ابنتها وقالت: «أنا لست حزينة، أنا مشغولة الآن بالبحث عن هذا الخاتم». سكتت نور قليلا، ثم قالت بصوت مضطرب: «لا، أنت حزينة. اليوم وكل يوم». فتركت مروة ما في يدها وهرعت إلى نور وهي منزعجة وقالت: «حقا؟ كل يوم؟» فانفجرت نور في البكاء وهي تقول: «نعم، كل يوم». ضمتها مروة إليها بسرعة وهمست في أذنها: «لا تبكي يا حبيبتي. أنا آسفة. أنا فقط مشغولة قليلا. أنا لست حزينة».

في الأوقات التي يقضيها سامي وحيدا في سيارته كانت تخطر في رأسه أفكار كثيرة. اليوم جلس في سيارته يفكر في النصيب الذي يصيب مرة ويخطأ مرات. أمنيات سامي من الحياة وهو شاب كانت قليلة، كل أمنية كانت صراعا غير متكافئ مع النصيب، لكنه نجح إلى حد ما في الوصول إلى بر الآمان، فقد تحققت بعض أمانيه، وتزوج وأصبحت لديه أسرة صغيرة، وولداه يكبران أمام عينيه. أما الآن فلم يعد لديه أية أمنيات سوى أن تسير الحياة بهدوء. سحب سامي نفسا عميقا وفكر أنه لا يفهم لماذا يجب على المرء أن يصارع ضربات النصيب والقدر حتى عندما لم يعد لديه أمنيات. فهو لم يعد اليوم لديه ما يرغب في تحقيقه، أو المطالبة به، أو حتى الصراع من أجله. لم يعد يرغب من الحياة سوى أن تسير بهدوء. أدار سامي محرك سيارته وقادها من شارع إلى شارع. ظل يدور في المدينة حتى دخل الليل، ولم يرغب في العودة إلى البيت. بعد جولة ليلية طويلة ركن سيارته جوار بناية يعرفها جيدا. لمعت أضواء النيون المبهرة على واجهة الطابق الأرضي لتلك البناية، كتبت مصابيح النيون الرفيعة كلمة كازينو باللون الأحمر، بجانبها رزم من الأوراق النقدية وحلقة من النجوم المضيئة. جلس سامي ساكنا في السيارة، وقد انعكست أضواء النيون على نافذة السيارة الأمامية. 

«لماذا نحن بحاجة إلى معاجم جديدة؟ من أجل تمرير التجارب التي تحملها اللغة من جيل لآخر. نحن نعود دائما إلى المعجم وما ذُكر فيه. لكن إلى ماذا نعود عندما نتناول المعجم بين أيدينا؟ هل نعود إلى الأصل؟ هل نرجع إلى صحيح اللغة؟ هل نحنّ إلى الماضي؟ نحن نعود إلى المعجم لأننا على الأغلب وقعنا في أزمة، وأصبحنا بحاجة إلى مساعدة، فالكلمات كما نعرفها لم تعد تعني شيئا. نحن نقوم بالبحث عن معنى شارد تركه أحدهم ولم نلتفت إليه من قبل، أملا في أن نعثر على مخرج من أزمتنا. هذا المعنى الشارد أو البعيد أو حتى المهجور ليس ابتكارا جادت به قريحة أصحاب المعاجم، وإنما هو خبرة مدفونة في هذه الكلمة أو تلك، أو كما نحب أن نسميه ندبة لم تعد ترى بالعين المجردة. وعندما نعود إلى تلك الجراح والندوب فإننا لا نفعل ذلك لأننا نقدس لغة الماضي، وإنما لأننا نبحث عن لغة جديدة. العودة إلى المعجم تشبه عمل المؤرخ الذي تحركه لحظة خطر أو أزمة، فيهرع إلى الماضي لكي يقرأ فيه ما يفيد محاولات النجاة من الخطر المحدق. إنه يصل الصراع الحالي بصراع أقدم. كل معجم جديد هو أمل موجه نحو المستقبل».

الممر الحجري الصغير يفضي إلى جدار بيت، ثم ينفذ عبره مرتقيا بضع درجات. من الجدار القصير تظهر نافذة صغيرة، تنمو حولها نبتة متسلقة. قبل الوصول إلى تلك الدرجات تتحول عتمة الممر إلى ضوء مبهر. وفي الجزء المعتم من الممر يميل جانبٌ من جانبيه على الجانب الآخر فيصبح الجداران على شكل كتف. وفي الجزء المنير يستوي الجانب المائل مرة أخرى. كلما تقوّس بيت في طريق الممر وسار الممر تحته سادت العتمة، وكلما انكشف الممر تحت السماء سطع الضوء. هناك عند درجات السلم القليلة، الغارقة في ضوء النهار، وقف صبي يلعب، وجلست بنت مع صديقتها. كان ذلك المشهد أكثر ذكريات مروة وضوحا عن المدينة القديمة في نابلس من زيارتها الوحيدة إليها مع أبيها وهي طفلة صغيرة. لا توجد أحداث في هذا المشهد. فقط عتمة تتحول إلى إضاءة باهرة، وولد وبنتان، وبضعة درجات. طفا هذا المشهد على سطح وعيها وهي جالسة في الاستديو تقلّب في كتبها وأوراقها. ثم فتحت جهازها، وبقيت تتطلع إلى طلب التقديم. لم تكن قلقة من عدم الحصول على منحة المشروع من قسم الدراسات العربية في جامعتها، وإنما كانت قلقة من أن يمنعوها من الدخول. شردت في السيناريوهات المحتملة، وماذا يمكن أن يقول لها ضباط الحدود، وكيف يمكن أن ترد عليهم. وظلت في شرودها حتى قطعته مكالمة سكايب من سارة. فاستمعت إلى رأي صديقتها في النسخة التي أرسلتها لها من طلب التقديم. وتفاءلت سارة بعد أن روت لها مروة أنها تحدثت مع رئيسة قسم اللغة العربية ورحبت بفكرة تنظيم ورشة عمل في القسم مكملة لورشة بيرزيت التي سينطلق بها المشروع. وقالت إنها أوشكت أن تنتهي من كتابة ميزانية المشروع، وسيلحقان بسهولة بموعد التقديم بعد أسبوع. مرت برهة ثم سألت سارة صديقتها: «هل هناك شيء؟ صوتك متغير»، سكتت مروة قليلا ثم قالت: «الشركة الجديدة المالكة للبيت رفعت دعوى قضائية عليّ لطردي من الشقة، وموعد نظر القضية بعد شهر». 

بتقدّم الربيع ينضج الضوء الناعم الذي كان يلف الحديقة، ويغدو متوهجا. وتشتد نضارة أوراق شجرة الجوز. في هذا الضوء المشبّع سبحت ندف دقيقة في الهواء. ألياف رفيعة وكرات خفيفة تتهادى ببطء متخللةً المكان. يحمل الهواء هذا الغبار القطني عبر الحديقة، فتنال كل شجرة نصيبها من حبوب اللقاح، ثم ينتقل الغبار إلى الشارع ومن هناك إلى باقي المدينة. يتسرب من النوافذ والأبواب، يدخل الغرف ويلامس قطع الأثاث والأرضيات. تظل الندف تتهادى بخفة، كلما مر هواء عابر، متلافية الاصطدام بالأجسام الصلبة، حتى تستقر فوق الأرض بجوار الغبار والأتربة. وتبقى الندف هناك حتى تزيحها قدم عابرة، أو تكنسها يد غير مكترثة. في مثل هذا الوقت من كل عام تتجدد الحياة كأمل أعمى ينتشر فوق أوسع رقعة ممكنة، يمكن للمسة صغيرة منه أن تجعل الحياة تتفتح من جديد. لكن هذا الاحتمال يكاد يكان مساويا لاحتمال أن ينزوي ذلك الأمل منسيا كهدية ضلت طريقها ولم تجد صاحبها.

قررت مروة ألّا تذهب إلى الاستديو في هذا اليوم، وعادت إلى البيت بعد أن أوصلت نور إلى المدرسة. كانت سارة قد أمدتها برقم تليفون صديقة لها محامية، فاتصلت بها، وأخذت منها عدة أسماء لمحامين متخصصين في قوانين السكن. سجلت مروة الأسماء في ورقة أمامها. ثم أخذت تبحث عن عناوين هؤلاء المحامين في الانترنت، حتى تستطيع أن تختار أحدهم. جلست تتصفح المواقع وتقرأ ما كتبه المحامون عن أنفسهم. بعضهم وضع صورا فوتوغرافية لنفسه، وبعضهم يضع صورا لمكتبه. تتابعت أمام عينها المواقع وازدادت حيرتها،  ثم تسللت إليها وهي جالسة الرائحة القادمة من المقهى القريب، التي كانت تكرهها كثيرا. رائحة بن رديء تُرك في ماكينة القهوة الاسبرسو لدرجة الاحتراق. طغت هذه الرائحة مؤخرا بعد أن كثرت المقاهي في شارعها. مقاهٍ يؤمها شباب يتحدثون الانجليزية أو الفرنسية، يجلسون أمام حواسيبهم، وعندما تسطع الشمس يمدون أرجلهم إلى الشارع. ذهبت إلى المطبخ لكي تغلق نافذته، وحانت منها التفاتة، فرأت في الأسفل سامي يحمل كرتونة ضخمة ويسير بها عبر الحديقة الخلفية. تلاه شابان يحملان غسالة ملابس. ثم ظهر شابان آخران يحملان خزانة ضخمة. بعدها رأت ابن سامي الصغير وهو يحمل صندوق ألعابه. غاب الجميع عن نظرها في اتجاه بوابة البيت، ثم عادوا بعد ذلك ليبدأوا جولة نقل جديدة.

وقفت نور أمام الإصيص وسألت: «ماما، متى سيظهر الريحان؟ لقد مر أسبوعان الآن ولم يظهر شيء». قالت لها مروة إن هذا أمر غريب بالفعل. ربما هذه البذور بحاجة إلى وقت أطول، فهي من بيروت، أحضرتها سارة معها المرة الماضية. شردت نور قليلا ثم سألت: «ماما، متى سأكبر أنا؟» فأجابتها مروة أنها تكبر بسرعة، فها هي الآن أصبحت في المدرسة. ثم سألتها: «ماذا تريدين أن تفعلي عندما تكبرين؟» فأجابت نور أنها تود أن تكبر بسرعة أكبر حتى يكون باستطاعتها مساعدة أمها الآن، فضحكت مروة وقالت «ولكني سأكون أنا أيضا كبرت بسرعة». فعبست نور وقالت «ألا تستطيعين أن تنتظريني حتى أكبر؟» ضحكت مروة مرة أخرى وقالت «لا، لا يمكنني أن أنتظر للأسف. لكن أتعرفين؟ هناك طريقة يمكنك بها مساعدتي». فتهللت أسارير نور وقالت «كيف؟» فكرت مروة قليلا وقالت «لا أدري كيف يمكنني أن أشرح ذلك، ولكني سأحاول». سكتت للحظة ثم قالت إن بإمكان الأبناء عندما يكبرون أن يجدوا حلولا أفضل من الحلول التي أتى بها الآباء للمشاكل التي وقفوا أمامها، وبذلك يكونوا قد ساعدوهم. فقالت نور «لكن هذه المشاكل سيكون قد مرّ عليها وقت طويل وستكون انتهت». فأجابت مروة «المشاكل الحقيقية لا تنتهي أبدا». انزعجت نور وقالت «أنا لا أفهم شيئا، كيف ساعدت أنت والداك إذن؟» تنهدت مروة وقالت «أنا أحاول. لقد حكيت لك أن جدّك لم يتحدث معي بالعربية كثيرا لأن ذلك في رأيه قد يشتت انتباهي في الطفولة، ولن يساعدني على الشعور بأن ألمانيا هي بلدي.» فأجابت نور «نعم حكيت لي». صمتت مروة قليلا ثم قالت «لكني تعلمت اللغة بعد ذلك، لأني عندما كبرت فهمت أن الحل الذي قدمه أبي لوضعنا لم يكن هو أفضل الحلول. فقمت بتعلم العربية وحدي». ضاقت نور ذرعا بهذا الحديث وقالت «ماما، أنا لا أفهم شيئاً». فأجابتها مروة «ولا أنا. لا تشغلي بالك يا حبيبتي. هيا بنا لننام». 

عملت مروة طوال اليوم في الاستديو. كان مزاجها رائقا لأول مرة منذ انفصالها عن زوجها الشتاء الماضي. شغلت موسيقى تحبها، وأخذت تكتب في ورقة أسماء بعض البحيرات القريبة من المدينة، وفكرت أن نور سوف تبتهج عندما تقترح عليها أن يذهبا إلى إحدى تلك البحيرات في عطلة نهاية الأسبوع القادمة. بعد الظهر عملت على الطلب من جديد. قامت بتبييض النبذة التاريخية التي كتبتها عن تاريخ شكل المعجم في اللغة العربية. أكلمت قائمة أسماء الكتاب والفنانين والأكاديميين المدعوين لورشة بيرزيت، وأعادت كتابة بعض المقاطع في طلب التقديم. وأرفقت ميزانية المشروع التي وضعتها سارة. ثم أجرت مكالمة سكايب سريعة معها، وقالت لها إنها انتهت من العمل على الطلب، وأرسلته إلى صديقتها لكي تتطلع عليه قبل آخر موعد لتلقي الطلبات هو منتصف ليل الغد. فأخبرتها سارة أنها ستفعل اليوم، وترسل لها ملاحظاتها. واتفقتا أن تقوم مروة برفع الطلب إلى موقع القسم لأن سارة ستسافر إلى خارج بيروت، ولن تأخذ معها حاسوبها. بعد أن فرغت مروة من المكالمة رفعت صوت الموسيقى وقامت ترقص وحدها. فوق مكتب سارة لم تتوقف السمكة الخشبية عن هز ذيلها.

نام الجميع وغرقت الحديقة في نور القمر الفضي، ولم يرَ أحد كيف شقّت ثلاثة رؤوس معدنية الأرض بين شجرتي الكرز والجوز. تحت ضوء البدر المنير برزت الرؤوس المدببة من التربة، ولمع معدنها البارد. ربما احتاجت وقتا طويلا لتظهر، لكن قوة النداء لا تقاس بسرعة الاستجابة له، وإنما بحجم الصعوبات التي يتم تخطيها من أجله. إذ كلما كان النداء قويا كانت الرغبة التي تدفع من يلبيه عارمة، في أن يجمعه حاضر واحد مع النداء الذي أيقظه. فالنداء الحقيقي هو دائما نداء للظهور، والاستجابة له تعني الخروج من الخفاء إلى النور،. لكن النداء، وإن كان ينطلق من حاضر ما، فإنه لا يرغب في توسيع رقعة هذا الحاضر، وإنما في تغييره من خلال إشراك الخارج فيه. النداء هو خيط رفيع ينفتح فيه الحاضر على الخارج. وما أن يُلبَّى هذا النداء حتى يبدأ الحاضر فورا في الاهتزاز، وتظهر الشقوق والتصدعات في جدرانه. 

كان يوما جميلا للغاية. صفت السماء فيه، واعتدلت الحرارة. وذهبت مروة مع نور باكرا إلى بحيرة «موجل زيه»، حيث قضتا اليوم كله هناك. نزلتا المياه، ولعبتا على الشاطئ، وأكلتا ما أحضرتاه معهما، ثم نامتا على العشب. وعندما عادتا إلى البيت كان هناك شيء غريب في انتظارهما. كانت الشوارع مزدحمة بشكل غير طبيعي، والسيارات واقفة لمسافة كيلومترات. ورأتا تجمهرا كبيرا على مدخل الشارع، وعندما اقتربتا وجدتا أن الشرطة تمنع الناس من دخول الشارع. حاولت مروة أن تستفهم من الواقفين عن ما يحدث، فكانوا يقولون لها كلاما عن وجود قنابل. لكن لم يبدُ على أحد الانزعاج. لم تفهم مروة أي شيء، وقبضت على يد نور واستطاعت شق طريقها حتى وصلت إلى أحد الشرطيين الواقفين، وسألت عن ماذا يحدث. فقال الشرطي: «آه تتحدثين الألمانية. سيدتي، لدينا مشكلة كبيرة هنا. لم أر في حياتي قنبلة وزنها نصف طن». فقالت مروة: «نعم أتحدث الألمانية رغم أن شكلي قد لا يوحي بذلك. هلّ لك أن تخبرنا الآن ما الذي حدث؟» أجابها الشرطي إنهم لا يعرفون ماذا يحدث وهذه هي المشكلة الكبيرة، إذ لا أحد يعرف كيف خرجت القنابل، وبالتالي لا يعرف كيف سيكون مسلكها في اللحظات المقبلة، مما يضع فرق إبطال القنابل تحت ضغط كبير. كان الشرطي يتحدث بتأثر، ثم قال: «نحن حقا أمام مشكلة كبيرة». فحملقت فيه مروة وقالت: «نعم لدينا بالفعل مشكلة كبيرة، جميل أنكم لاحظتم هذا أخيرا».

بعد ساعات قليلة قامت بلدية الحي بتجهيز خيمة طوارئ في الشارع من أجل استقبال السكان الممنوعين من دخول بيوتهم. بها جزء لتقديم الوجبات الساخنة، وجزء خاص بالأطفال يلعبون فيه بصحبة بعض المربين. انسلت نور إلى ركن الأطفال، ووقفت مروة تتابع التليفزيون في المكان المخصص للجلوس وهي لا تزال تجهد لفهم ما يحدث. قال مذيع التليفزيون: «ما زال سبب ظهور القنابل في الحديقة الخلفية لأحد البنايات في حي نيوكولن يُشكل لغزا كبيرا للسلطات، إذ أن من المعتاد العثور على مثل هذه القنابل أثناء أعمال الحفر والبناء، لكن لم تكن هناك أي أعمال حفر في تلك البناية أو في البنايات القريبة. وقالت الشرطة إن القنابل الثلاث بريطانية الصنع، زنة كل منها ٧٥٠ كلج، مرجحةً أن تكون قد ألقيت على مدينة برلين في غارة جوية عام ١٩٤٤. جدير بالذكر أن ثلاثة من فريق تفكيك القنابل قد قتلوا قبل خمسة أْعوام أثناء محاولتهم تفكيك قنبلة تم العثور عليها في أحد مواقع الحفر والبناء في برلين. وتقدر السلطات عدد السكان الممنوعين من العودة إلى بيوتهم بنحو ألفي شخص».

تطلعت مروة حولها في وجوه الناس الجالسين، تعرفت على بعض من تعرفهم من سكان شارعها. كان هناك كثيرون، فقدرت أنهم من شوارع أخرى أخلتها الشرطة. ودخل الليل، وجلس معظم المتواجدين يتسامرون في مزاج معتدل. وفجأة تذكرت مروة موعد الليلة، فانتفضت وأسرعت إلى نور وقالت لها إنها ستعود سريعا. وانطلقت نحو البيت حتى وصلت الكردون، فأوقفها شرطي آخر. قالت مروة وهي تلهث إنها يجب أن تحضر جهاز المحمول الخاص بها فورا للضرورة القصوى. فأخبرها الشرطي أن ذلك ممنوع لأنه قد يعرضها للخطر، فالأطقم الأمنية لا تزال تعمل. ثم زعقت مروة وقالت إنها يجب أن تحصل جهازها قبل انتصاف الليل لأسباب تتعلق بعملها. لكن الشرطي أخبرها أنه لا يستطيع تركها تدخل، وأن ذلك من أجل أمانها. فردت مروة: «وماذا تعرف أنت عن أماني؟»، ثم اقتربت منه وقالت له: «أرجوك، تفهم موقفي، إنها مسألة حياة أو موت، أنا في أشد الحاجة إلى جهازي وإلا ستحدث كارثة». فابتسم متفهما، لكنه بقي على موقفه. بقيت مروة تحدج الشرطي وهو يحدجها في صمت. ابتعدت مروة عن الكردون وأخرجت هاتفها واتصلت بسارة. وقالت بصوت مخنوق: «لن أستطيع إرسال طلب التقديم على المشروع قبل موعد غلق باب الطلبات منتصف الليلة». فطلبت منها سارة أن تهدأ نفسها، وتخبرها بماذا حدث. لكن لم يكن باستطاعة سارة فهم الكثير مما تقوله مروة بسبب اختناق صوتها بالبكاء. فسكتت سارة قليلا، ثم طلبت من مروة ألا تقلق، لابد أن هناك حلّ. لكن مروة لم تتوقف عن البكاء، وأخذ صوتها يتصاعد حتى أصبح نشيجا.

أخذ الناس يفترشون الأرض في الخيمة استعدادا للنوم، بعد أن تبخر أملهم في العودة إلى منازلهم سريعا. عندما عادت مروة إلى الخيمة كانت نور تجلس متعبة على أحد المقاعد. نظرت نور إلى أمها وقالت لها: «هل أنت حزينة مرة أخرى؟»، فاحتضنتها مروة ولم تستطع منع نفسها من البكاء. ثم جاءت إحدى المساعدات وجهزت فرشة على الأرض بالقرب منهما، واصطحبتهما برفق إلى هناك. سارت مروة ببطء شديد، ثم تمددت في حضن نور ونامتا. في الصباح أفاقت على الحركة في الخيمة. فنهضت ووجدت نور في ركن المشروبات والمأكولات. تناولت كوبا من القهوة، وسمعت مذيع النشرة الإخبارية يقول: «لا يبدو أن أزمة حي نيوكولن في طريقها إلى الحل. فقد أعلنت الشرطة أن أطقم تفكيك القنابل اكتشفت من خلال فحص المجال المغناطيسي عن وجود قنابل أخرى مدفونة في المنطقة على أعماق مختلفة. وقال بيان للشرطة إن وجود القنابل لا يشكل في حد ذاته سببا للقلق، لأنها مدفونة ومن غير المحتمل انفجارها، لكن عدم وجود سبب واضح يفسر ظهورها المفاجئ على السطح، يجعل من الأفضل توخي الحذر. وأشار البيان إلى أن عددا أكبر من السكان سيتم إجلاءهم عن مساكنهم. ومن غير المعروف حتى الآن موعد عودتهم، في ظل استمرار لغز ظهور القنابل».

في اليوم التالي زاد القلق والتوتر بين الناس في الخيمة، مع تواري الأمل في العودة قريبا إلى المنازل. البعض ترك الخيمة وذهب إلى الأصدقاء أو المعارف في أحياء أخرى من المدينة. والبعض الآخر تقطعت به السبل فبقي مضطرا. في الطرف الأبعد للخيمة تشكلت فراغات مفصولة بأغطية للنوم داخلها. وجلست فراو دوزيدلا بصحبة بعض المسنات بالقرب من ركن الأطفال يتحدثن عن ذكريات طفولتهن مع الحرب العالمية. في الزاوية المخصصة للتليفزيون جلس البعض يشربون الشاي والقهوة ويتندرون بأن الحرب التي يشاهدونها على التليفزيون وصلت إلى هنا فجأة، لكن القنابل لم تعد تسقط من السماء كما يحدث في بلدان أخرى، وإنما تخرج عليهم من الأرض. ثم دار الحديث حول الحروب القديمة والحروب الحالية. بالقرب من الباب كان هناك مكتب صغير للمعلومات، جلس فيه شباب يقدمون المساعدات، ويتواصلون مع مسؤولي البلدية. إحدى الشابات كانت تتحدث مع مذيع تليفزيوني حول الوضع حاليا في المكان. وأمام الخيمة وقف سامي وقد فتح باب سيارته الخلفي، وأخذ يفرغ حمولة السيارة من الأطعمة الخفيفة وزجاجات المياه المعدنية، وحفاضات الأطفال، والبطاطين، بمساعدة بعض الشباب. 

وقفت شجرتا الكرز والجوز في الحديقة الخلفية، وبينها أطلت القنابل الثلاث. حول الشجرتين تناثرت بتلات زهور الكرز الزهرية، طفت فوق سطح المياه الجوفية المتسربة من مواضع خروج القنابل. تحت الحديقة ترسبت طبقات ركام وأنقاض لا تنتهي. كل بداية جديدة تُلقي بطبقة جديدة. وفي باطنها تسري جداول من نار. من كل ركن وزاوية تتدفق أنهار صغيرة مشتعلة. يتجمع سائلها المصهور في عُقد عديدة، تربط بينها قنوات رفيعة، كأنها نبضات عصبية تربط بين شبكة كبيرة. في كل عقدة تتالى الانفجارات، فتتضاغط وتتخلخل موجات جديدة من الحرارة. كل وضع جديد يأخذه الركام في تلك العقد هو وضع هش، معرض دائما للانفجار. لمسة بسيطة، شرارة صغيرة، ويحدث انفجار كبير. حركة صغيرة وتتغير مصائر كثيرة. من قلب هذا الظلام الدامس تنبعث همهمات كثيرة لا يسمعها أحد، وتهب ريح عاتية لا يشعر بها أحد. 

-ماما!

-نعم يا حبيبتي.

-لقد دفنتُ الخاتم في إصيص الزرع.

-ماذا؟

-حفرت بأصبعي حتى وصلت إلى قاع الإصيص ووضعته هناك، ثم أهلت التربة فوقه.

-…

-هل أنت حزينة الآن؟

حملقت مروة في ابنتها، ثم غرقت في الضحك وأخذتها في حضنها.


هيثم الورداني كاتب مصري يقيم بين برلين والقاهرة. صدر له حديثا «كتاب النوم» حول أسئلة السياسة والهوية واللغة في النوم، عن دار نشر الكرمة، القاهرة 2017.