بين جلسة في الحديقة وإعدام شاعر: حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر

Print

حديقة كارابالي زاده، كاباتاش، حوالي 81-1577 م. Salomon Schweigger, Eine neue Reyssbeschreibung, Nuremberg, 1608

EN


من الصعب تخيّل اسطنبول  في حقبة الحداثة المبكرة كمدينة حدائق. ففي مدينةٍ يقطنها أكثر من 15 مليون نسمة، نرى 1,5 بالمئة فقط من أرض اسطنبول اليوم هي منتزهات أو حدائق عامة، وغالباً ما نجد هذه المساحات مهجورة أو في حالة مُقفِرة، والعديد منها هو تحت خطر التحول إلى مراكز تجارية ومواقف للسيارات. إلا أنه في عصر الحداثة المبكرة، اشتهرت اسطنبول كمدينة خضراء بامتياز. إذ كان يوجد فيها العديد من الحدائق والبساتين، والكثير منها كان يقع عند أطراف المدينة. نالت تلك الحدائق شعبيّة كبيرة خصوصاً خلال القرنَين السّادس عشر والسّابع عشر، مع توسّع المدينة نحو مضيق البوسفور. كان يجتمع اسطنبوليّو القرن السّادس عشر في هذه الحدائق مع أصدقائهم للأكل والشرب، وللإستمتاع بغير ذلك من ملذّات. كما كان الشعراء، بصورةٍ خاصة، يتوافدون إلى الحدائق بعيداً عن الوسط السُّلطاني، وكان كُتّابُ السِّيَرِ حريصين على مشاركة قصص زيارات الشعراء هذه، متفكّرين في مكانة الشّاعر ضمن المشروع السُّلطاني، من مشارف المدينة.

تتطرق هذه المقالة إلى قصة حُلُمٍ رُوِيَ في واحدة من جلسات الحدائق تلك، كاشفة كيف اتّخذ كُتّابَ السِّيَرِ العثمانيين، في القرن السّادس عشر، من هذه الحكاية مادّةً لمناقشة مخاوف الشّعراء العثمانيين وهمومهم المخبَّأة. تقترح الأحلام - التي غالباً ما قدّمها كُتّابَ السِّيَرِ العثمانيين كمرايا لعوالم مَخفيّة - وجهةَ نظرٍ فريدة لجلسات الحدائق. فهي تكشف لنا عن جانب غالباً ما كان مخفيّاً، قام كُتّابَ السِّيَرِ بإظهاره عند كتابة قصص حياة الشعراء. سوف أركّز في هذه الدراسة على حلم شاعرٍ تمَّ إعدامه، رواه كاتب السِّيَر الشهير عاشق جلبي (توفِّيَ سنة 979 ه/1572م)، وتفسير ذلك الحلم في واحدة من جلسات الحدائق. سوف أناقش كذلك الأدوار التي لعبها الأصدقاء والأولياء كمفسّرين للأحلام، وكيف أن تفسيراً خاطئاً أدّى إلى نتيجةٍ مُهلِكة وماذا أراد كاتب السّيرة إخبار قرّائه عن تفسير قصّة حياة شاعرٍ عثمانيّ في اسطنبول القرن السّادس عشر.

الحلم قيد البحث هو للشاعر فيجاني (938ه/1532م)، الذي أُعدِمَ بسبب بيت من الشعر ينتقد فيه الوزير ابراهيم باشا (942ه/1536م). بدأ الإسطنبوليّون يتداولون البيت بعد أن أحضر الوزير الكبير ثلاثة تماثيل من حملته في المَجَر ونَصَبَها أمام قصره في ميدان سباق الخيل في العام 936ه/1529م. يقول البيت:

في هذا العالم ظهر إبراهيمان             الأول هَدَمَ، والآخر نَصَبَ الأوثان

أثار هذا الإتهام بالوثنيّة غَيظ الوزير الكبير الذي أمر بغتةً باعتقال الشاعر فيجاني. جرت الأمور بعجلةٍ بحيث أن أحداً لم يتمكن من إنقاذ الشاعر. بعد عرضه أمام العامّة على ظهر بَغل، أُقتيدّ فيجاني إلى ميناء إمينونو وشُنِقَ عند سوق السمك. كان إعدام الشعراء نادراً في اسطنبول العثمانيّة، ويبدو أن هذا الإعدام تحديداً قد أثار غضباً شديداً بين الأوساط الأدبيّة في المدينة.

يبدو عاشق جلبي، الذي وضع سيرة حياة فيجاني بعد نحو ثلاثين عاماً من إعدامه، هو أيضاً متأثِّراً بموته. في كتابه «مشاعِرُ الشُّعَراء» (976ه/1558م)، وهو واحد من أقدم معاجم سِيَر حياة الشعراء الأتراك في العصر العثماني، يعرّف عاشق جلبي بفيجاني كشاعرٍ شاب موهوب ويُثني إلى حدٍّ كبيرٍ على قصائده. في الجزء الأول من المقدمة السيريّة للشاعر، يقدم عاشق جلبي فيجاني كرجل ملذات قَضى أيامه وهو يحتسي الخمر برفقة أصدقائه الشعراء في حانة الرّاكي في أحياء غَلطة، ويستمتع بمشاهدة الغلمان الوسيمين وهم يتنزّهون في ميدان سباق الخيل. يتشابه هذا الجزء الأول من المقدمة مع العديد من مقدّمات «مشاعِرُ الشُّعَراء»: يمكننا تتبّع الشعراء في مغامراتهم بين الحانات والحدائق والقصور للِقاءِ أوليائهم وخلّانهم وأعدائهم. لكن عاشق جلبي أراد إخبار ما يتعدّى تلك القصص والقصائد التي تَجَلَّت في لحظات الرّخاء والمتعة. ففي «مشاعِرُ الشُّعَراء»، تتصف حياة فيجاني وأعماله أيضاً بالموت والأسى. كمقتطفات من شعر فيحاني، يختار عاشق جلبي الأبيات الشديدة الحزن   –عن رموشٍ مَخرومةٍ وصُدورٍ مُضَرَّجة بالدماء. كذلك فقد خصَّص كامل المقدّمة تقريباً  حوالى ثلاث صفحات ونصف من أصل مخطوطةٍ من أربع صفحات ــ لقصّة حلمٍ يتنبّأ بواقعة إعدام الشاعر. ليست القصة مثيرةٌ للإهتمام لأنها تشغل كل المقدمّة فقط، بل أيضاً لأنها لا تَظهَر في أيٍّ من سِيَرِ حياة فيجاني الأخرى من القرن السادس عشر.[1]

بالرغم من أهمية قصة الحلم بالنسبة لـ عاشق جلبي، إلّا أنها لقيت اهتماماً ضئيلاً جداً من قبل مؤرّخي الأدب الذين درسوا حياة فيجاني. أحد أسباب ذلك هو مَيل الباحثين إلى تناول المعاجم العثمانيّة لسِيَر حياة الشعراء كمراجعٍ لمعلوماتٍ وقائعيّة. تم التعامل مع قصة الحلم فقط ضمن إشكالية الحقيقة والخيال.حول الحقيقة والخيال، أي إذا كان فيجاني هو حقاً الذي نَظَمَ بيت الشّعر أم لا. في الوقت الذي قدّم المؤرّخ الأدبي محمد فؤاد الكوبريللي الحلم كدليلٍ على أن فيجاني هو الذي ألّف البيت الشعري، الأمر الذي جعله قلقاً عشيّة إعدامه، نجد من جهةٍ أخرى، أن عبد القادر كاراهان، الذي نشر أشعار فيجاني، ينقض هذا الإدعاء بحجّة أن القصة ربما لُفِّقَت في وقتٍ لاحق ولا يجدر النظر إليها كدليلٍ موثوق، باعتبار أن الأحلام المُتَنَبِّئة بالموت كانت من المحاور الأدبيّة الشّائعة في ذلك الوقت. المثير للإنتباه هو عدم تساؤل الكوبريللي ولا كاراهان عن السبب الذي دفع عاشق جلبي إلى تكريس هذا الجزء الكبير من مقدمته لقصة حلم، وما الذي أراد أن يعرفه قرّاءه عن فيجاني من خلال حلمه.

لن أتطرّق هنا إلى مسألة ما إذا كانت هذه الأحلام قد أُبصِرَت حقاً أم لا. المهم بالنسبة لي هو قرار عاشق جلبي بإدراج أحلام معيّنة في عمله. على غرار معاصريه، على الأرجح أنه لم يكن يثق بجميع الأحلام، ولكنه نظر إلى بعضها على أنها رسائل من عالم الغيب وضمَّها إلى السِّيَر التي كتبها. قرارهُ مهم لسببَين رئيسيَّين. أولاً، من النادر أن نقع على أحلامٍ في المعاجم الثلاثة الأولى لسِيَر حياة الشعراء العثمانيين، والتي استعملها عاشق جلبي كمراجعٍ له. كما من النادر أيضاً أن نقرأ عن الأحلام في «بَهارستان» لـ الجامي (989/1492)، أو في «مجالس النفائس» لـ علي شير نوائي (906/1501) اللذين كانا قدوة بالنسبة لـ عاشق جلبي. لذا فإن سرد الأحلام كان شديد الأهمية بالنسبة لـ عاشق جلبي لدرجة أنه اختار أن ينأى بنفسه عن التقاليد. ثانياً، من بين جميع الأحلام التي لا بد أن يكون عاشق جلبي قد قرأها وسمعها، إختار فقط إدراج الأحلام التي تدور حول موضوع محدّد: جهاز الدولة ودوره في حياة الشعراء. تحتوي معظم الأحلام في «مشاعِرُ الشُّعَراء» على تباشيرٍ بتقلّد الشعراء لمناصب (شغل العديد منهم منصب علّامة أو موظّفٍ بيروقراطيّ). مع ذلك، من بين تلك الأخبار السارّة كان يوجد حُلُمان يُظهِران صورةً أكثر ظلمةً لعلاقة الشعراء مع رجال الدولة العثمانيين. فبالإضافة إلى حلم فيجاني الذي سنستعرضه تفصيليّاً في وقتٍ لاحق، هناك حلم الشاعر البيروقراطي الرفيع المستوى جعفرجلبي الذي أبصَرَ أنه يُلقي بيتَ شعرٍ عن الموت قبل أيام قليلة من إعدامه بتهمة الخيانة. وبالرغم من تجاهل كاراهان للأحلام المتنبّئة بالموت كمحورٍ شائع في الأدب الإسلامي، فقد كان عاشق جلبي متحفظاً جداً بتناوله الأحلام المتعلقة بهذا الموضوع في أعماله. هذان هما الحلمان الوحيدان في «مشاعِرُ الشُّعَراء» اللذان يتنبآن بالموت، وكلاهما يعلن عن حصول إعدام. لكن ماذا أراد أن يخبر قرّاءه ؟ هل كان هناك شيء آخر في هذه الأحلام عن حياة الشعراء الذين عاشوا في كنف جهاز الدولة العثمانية القرن السادس عشر ــ رسالة قد لا تكون ظاهرة على نحو مباشر؟

حلم فيجاني وتفسيره الخاطىء

أبصر فيجاني حلمه في حديقة كارابالي زاده، حيث بات الليلة بعد حفلة نهارٍ ربيعيّ. كان مُسافرو القرن السادس عشر يميّزون هذه الحديقة المطلّة على البحر في كاباتاش كواحدة من أجمل حدائق المدينة.  «يا لِعالم السحر هذا! يا لهذا المنظر الموقِظُ لخيال الشاعر! يا له من ملاذٍ يختلي به الفقيهُ بنفسه !»، قال أوجييه غيسيلان دو بوسبِك الذي زار اسطنبول في إطار رحلةٍ لسفارة هابسبورغ.[2] في العام 1587/1588، أي بعد حوالى خمسين عاماً من الإعدام، كانت الحديقة لا تزال تُعدُّ من أشهر معالم المدينة. يشير راينهولد لوبونو، وهو زائر آخر من سفارة هابسبورغ، إلى الحديقة كواحدة من أجمل حدائق المدينة.[3]

وفقاً لـ عاشق جلبي، كانت الحديقة مشهورة أيضاً بحفلاتها ونبيذها وشُبّانِها الوسيمين والموسيقى التي كانت تدوم لأيامٍ وليالٍ متواصلة. المُضيف، كارابالي زاده (توفيَّ سنة 944ه/1537 أو 1538م)، كان بيروقراطياً نافذاً كرَّسَ حياته للمتعة، ولم يكن «يدعو اليوم يوماً ما لم يُنفَقُ على شرب الخمر والإستمتاع».[4] يقول عاشق جلبي: «كانت هذه جلسات حيث لا تلفُّظٌ لكلمات قد تثير الكآبة والأسى. والقصص التي تُروى هي فقط تلك التي تُشعِلُ الهوى والرغبة، ولم يكن أحداً يتفوّه بكلمات الخطيئة أو العار أو الذّم».[5]

فيجاني مع عشيق شاب. من مخطوطة «مشاعِرُ الشُّعَراء» لعاشق جلبي، مكتبة فاتح ملليت (مكتبة الشعب)، اسطنبول.


في بداية القصة، نرى فيجاني وهو يتأمل البحر بكآبة عند صباح سبقته حفلة ليليّة. يسأل الراوي فيجاني عن سبب بلائه، لكن الشاعر لا يجد القوّة الكافية ليجيب. بعد ذلك، يأتي كارابالي زاده ويدعو الجميع للشرب. «نحن الآن على شفّة البحر، إنه الرّبيع والوقت فَجر»، يقول. «لسنا نفرغ كؤوسنا ولا نملأ أنفسنا بالمتعة. هل هذا مقبول؟»[6] لكن فيجاني، «بائساً، لا ينبس ببنت شفة. كلوزةٍ فجّة، لا يفتح عينيه للنظر إلى الحَشد. نراه مُحبَطاً ومُحترقاً كشمعةٍ بعد حفلة الليلة الماضية».[7] ثم يمضي عاشق جلبي ليقارن صمت فيجاني بالآلة الموسيقيّة المهجورة: هو «قيثارٌ  ثَمُلَ عازفه وتركه متّكِئاً على الحائط، هو عودٌ خَلَدَ لاعبه إلى النوم تاركاً ريشته فوق الأوتار السّادِرة، هو دَفٌّ أُجبِرَ على مغادرة دِفء الجماعة ليواجه برد الزّاهد النّاسك فأصبح عاجزاً عن الإستجابة لمن يقرعه».[8]

يقدم كارابالي زاده لـ فيجاني كأساً قائلاً أن الشرب هو أفضل علاجٍ لصداع الخَمر. لكن فيجاني لا يزال مهموماً. عندما يُسأل مجدداً عن سبب همّه، يقول أن السبب هو حلم فسّره أنه بليّة ونكبة. ثم يروي الحلم ويستمع إلى تفسير كارابالي زاده:

الليلة الماضية، رأيت في منامي مئذنة تُقام قرب الميناء، عالية كمعروف رجال الدولة وشبيهة بدخان تنهّدات العشّاق. تسلّقت إلى أعلاها بعد أن طلب مني البعض القيام بهذا. ألقيتُ نداء الصلاة عندها ولكن الخوف ضرب قلبي وفقدت حياتي.

ضحك كارابالي زاده وقال «هذا حلمٌ مبشّر. لا مجال لتفسيرٍ آخر. إن شاء الله، سأقصد اليوم اسكندر شلبي أفندي وأحصل لك بسرعة على وظيفة محرّر الضرائب الجمركيّة أو ضرائب العبيد. سأعود ومعي سند التوظيف قبل العشاء. فلتكسب أرباحاً من الرسوم الجمركيّة بينما تحتسي الخمر وتحتفل مُطِلّاً على البحر. فليُسمع صوت فرحك ونشوتك أينما كان. فليفسَّر حلمك على هذا النحو».[9]

على غرار التباين بين جلسة كارابالي زاده المُمتعة وأسى فيجاني، هنا أيضاً نرى الإشارات المبشّرة كما المشؤومة للحلم. مثلاً، قد تبدو المئذنة في البداية إشارة مبشّرة. يستعمل عاشق جلبي كلمة «همّة» (دعم) مراراً لوصف الولاية أو الرعاية، وهنا أيضاً يرى فيجاني المئذنة عالية رفيعة شبيهة بدعم رجال الدولة ومعروفهم.[10]  إذن، هل الحلم هو نبأ جيّد عن ولاية أو رعاية مقبلة سوف يتلقّاها فيجاني؟ على أن التوصيف الثاني للمئذنة يعلن عن ألم عظيم: هي الدخان المتصاعد من قلب العاشق المحترق. لا بد أنه كان حريقاً هائلاً وألماً بالغاً ليولّد دخاناً سميكاً وطويلاً كمئذنة.  عندما يُطلَبُ منه، يتسلّق فيجاني أعلى المئذنة وينادي إلى الصلاة. مجدداً، من الممكن في البداية تفسير ذلك كإشارةٍ مباركة، بما أنه فعلٌ صالح. إلّا أن أحد كتب تفسير الأحلام المتزامن مع كتابة عاشق جلبي لعمله، يقدم تفسيرَين مختلفَين لمن يبصر  في حلمه أنه يتسلّق مئذنة: «إن كان من الصالحين، فسيكون فاضلاً. سوف يلقى الإحترام والمَهابة. أما إذا لم يكن من الصالحين، فسوف يُهان ويُحَقَّر بين الناس».[11] لذا، فإن حلم تسلّق المئذنة قد يجلب إما الإحترام أو العار، حسب مكانة الحالم. يضع الجزء الأخير من الحلم حدّاً للتفسير المزدوج. نتيجة خوفه الكبير، يعلم فيجاني أنه حُلُمٌ مشؤومٌ من الرعب والمَهانة.

غير أن كارابالي زاده يفسّر الحلم على أنه مبشّر. بالنسبة له، الدعوة إلى الصلاة هي علامة على نشر الفرح إثر حصوله على منصبٍ جديد في ميناء الرسوم الجمركيّة. بل حتى أنه يتطوّع للمساعدة بطلب هذا المنصب بالنيابة عن فيجاني. ولكن في هذه الحالة، كارابالي زاده لم يقدم المساعدة؛ في الواقع، لقد فشل في مساعدة فيجاني. تنتهي القصة بعد ثلاثة أيام مع الرواي وأصدقائه في حَي تاهتاكالي التجاري قرب الميناء. لقد علموا أنه تم إلقاء القبض على فيجاني ثم عُذِّبَ وعُرِضَ أمام العامّة قبل شنقه. عندما يذهبون إلى المشانق، يرون جسد فيجاني معلّقاً، وثوب الحياة مُنتَشَل منه. لماذا خصَّص عاشق جلبي وصفاً دقيقاً كهذا لتفسيرٍ خاطىء؟

الأصدقاء والأولياء والإعدامات

قبل كل شيء، من المهم ملاحظة من الذي قام بالتفسير. إذ بينما يوثِّق غيره من المؤلّفين العثمانيين مشاركة الأحلام بين الأزواج والزوجات، والشيوخ والمُريدين، والأساتذة والناشئين ــ فضلاً عن مُفَسِّري الأحلام وزبائنهم، ينتقي عاشق جلبي في «مشاعِرُ الشُّعَراء» فقط الأصدقاء المُقَرَّبين، وتحديداً الشعراء منهم، كمفسّري الأحلام. لم يتشارك هؤلاء الأصدقاء أحلامهم من خلال إخبارها والإستماع إليها فقط، بل كانوا أيضاً يبصرون أحلاماً عن بعضهم البعض  ويبصرون واحدهم الآخر فيها. أحد الأمثال المثيرة للإهتمام هو الحلم الذي أبصره فڤري (فَوريّ) عن عاشق جلبي وقام علي جلبي بتفسيره. عشيّة الحلم، كان عاشق جلبي في حالة من الحزن الشديد بسبب خسارة وظيفته. فَشَكَى همّه لصديقه علي جلبي، الذي قام لاحقاً بسرده على صديقهم المشترك فڤري . وفي أحد الصباحات، حمل فڤري أخباراً جيدة لـ علي جلبي؛ إذ جاءه حلمٌ رأى فيه رجلاً يرتدي خوذةً خضراء، يعطيه وثيقة بيضاء اللون، إنه صَكُّ حريّة أعدّه النبي محمد لـ عاشق جلبي. فسّر علي جلبي الحلم كبشرى سارّة. وبالفعل، فقد حاز عاشق جلبي بعد فترةٍ وجيزة على منصبٍ مرغوب جداً. وَحَّدَ هذا الحلم الأصدقاء الثلاثة   –الحالم والمُفسِّر وموضوع الحلم    –وكان محاولة لتبديد أشجان الحالم الصديقٍ عبر مشاركة أخبارٍ مبشّرة.

أليس متوقعاً من الأصدقاء أن يبصروا أحلاماً عن بعضهم البعض، خصوصاً في أوقات المِحَن؟ لا يخلو التاريخ من شهادات لأشخاصٍ أبصروا أصدقاءهم في الحلم. في واحدة من أقدم روايات الأحلام المُدوَّنة، يستيقظ جلجامش مذعوراً من حلمٍ يتنبّأ بموت أنكيدو،[12] أقرب أصدقائه. إن تركيز عاشق جلبي على الصداقة في سرديّاته عن الأحلام هو مهم وبارز لأننا لا نرى مثل هذا التركيز في أعمال غيره من كُتّاب سِيَر القرن السادس عشر العثمانيين. في معجم السِّيَر الذاتيّة الذي وضعه عن العلماء العلماء والشيوخ الصوفيين، يَقُصُّ طاشكبري زاده (986/1561)، وهو أستاذ عاشق جلبي، واحداً من أحلامه الخاصة الذي يتنبّأ حصوله على منصب قاضٍ.

في حلمه، يتلقّى عمرة (عمامة للرأس يضعها الصوفيون) من النبي، الأمر الذي فسّره أحد شيوخ الصوفيين كبُشرى لإلتحاقه بعالم القضاء. كحلم فڤري عن عاشق جلبي، هذا الحلم هو أيضاً بُشرى عن منصب القضاء الذي أبرمه النبي، لكن الرابط هنا بين الحالم والمُفسِّر هو ليس رابطاً بين صديقَين؛ إنما بين قاضٍ وشيخ صوفيّ. وبالرغم من أن العديد من أوساط عاشق جلبي كانوا حتماً  يترددون هم أيضاً إلى المُلتقيات، وربما كان الشيوخ فيها يفسّرون أحلامهم، لا يذكر عاشق جلبي في «مشاعِرُ الشُّعَراء» أي حلم من تفسير الشيوخ. بينما يضع طاشكبري زاده مُعجم عن سير حياة الشيوخ الصوفيين والعلماء والأحلام التي جمعت بينهم، فإن كتاب عاشق جلبي هو توثيقٌ للشعراء الأصدقاء الذين تربطهم أحلامهم أحلامهم.

يروي فيجاني حلمه في جلسةٍ يغيبُ عنها أصدقاءه (ملاحظة إلى أمل: الهمزة هنا توضع على الكرسي في حالة الكسر وعلى السطر في حالتي النصب والرفع)المُقَرَّبين. الحاضرون يُسمّون «yārān» (أصدقاء)، ولكن هذا التعبير لا يرمز إلى مفهوم الصحبة كما في مصطلحات «yār-ı ḳarīn» (الصديق الحميم)، أو «hemdem» (اللذان يتشاركان الوقت/اللذان يتنفّسان معاً)، أو «hemnişīn» (اللذان يجلسان معاً)، التي يستعملها عاشق جلبي لتعريف الصداقات الحميمة. على غرار الصداقات الأوروبية في مطلع العصر الحديث التي تميزت ببالمُجاورة الجسديّة، من خلال المُعانقة ومشاركة السرير والطاولة، تدل هذه الكلمات أيضاً وبشكل حرفي على قُرب الأصدقاء العثمانيين من بعضهم البعض ضمن الحيّز المكاني. هذا التقارب، وخصوصاً إن كان يعود بالزمن ــ إلى أيام الدراسة مثلاً ــ يمكنه أن يصل إلى حدٍّ تندمج فيه روحا الصديقين في جسدٍ واحد، كالحال مع عاشق جلبي وفڤري. إذن، أين كان أصدقاء فيجاني الحميمين؟ لماذا لم يقدّمهم عاشق جلبي بين المستمعين لحلم فيجاني؟ يبدو هذا إغفالاً غريباً ومُستَهجَن في كتابٍ يلعب فيه الأصدقاء أدواراًمهمة في سرديات أحلام كل واحدٍ منهم.

غياب الأصدقاء الحميمين عن جلسة فيجاني بارزٌ وفاضح نسبةً لمقدمة عاشق جلبي عن فيجاني. فهو يقدمه كطرفٍ من مثلّث يضم الشعراء فيجاني، و نَعتي، و نوحي، الذين كانوا يمضون كل الوقت معاً وهم يشربون ويطاردون العشّاق ويؤلفون الشعر. يوكّد عاشق جلبي على حميميّة هؤلاء الأصدقاء الشعراء الثلاثة من خلال تشبيههم بالنقاط الثلاثة الواقعة على حرف الشين في كلمة «شِعر». ربط عاشق جلبي أيضاً بين السير الذاتية للأصدقاء الثلاثة عبر استعمال المراجعٍ المتداخلة، وهي استراتيجيّة يعتمدها مراراً في «مشاعِرُ الشُّعَراء» لتدوين الروابط الإجتماعيّة بين موضوعاته. كلّ من مقدّمات فيجاني، نعتي، ونوحي، تحتوي على وصف لصداقتهم. إن عاد القارىء إلى مقدمة نَعتي، متتبّعاً المرجع في مقدمة فيجاني، سيقرأ كيف كان نَعتي يتردد مراراً إلى حانة الرّاكي  ليحتسي الخمر ويطارد الغُلمان برفقة فيجاني ونوحي.  كذلك إن ذهب المرجع بالقارىء إلى مقدمة نوحي، سيجده «نديم الكأس» لكل من نَعتي وفيجاني. الترتيب الأبجدي للكتاب، والذي كان عاشق جلبي حريصاً على استعماله، يجعل البحث عن تلك المراجع المتداخلة سهلاً. يسمح هذا لـ عاشق جلبي بتقديم موضوعاته ضمن إطار شبكة صداقتهم. تتصل الوقائع المدونة للصداقات في هذا الكتاب تماماً كما اتّصل الأصدقاء الثلاثة واحدهم بالآخر  في حياتهم.

لكن هل كان ممكناً لأصدقاء فيجاني مساعدته؟ كما في نصوصٍ أخرى من التاريخ الإسلامي، نجد في «مشاعِرُ الشُّعَراء» قصصاً عن شعراء كوّنوا مجموعات دعمٍ لحماية بعضهم البعض من سَخط الأولياء الغاضبين من الشعر الهجائي. مثلاً، عندما حكم الوزير الكبير إبراهيم باشا على الشاعر حَسبي، أخ كشفي، بسبب قصيدة هجائية، إجتمع كلٌّ من بصيري و قندي و زاتي تحت قيادة كشفي، وقاموا بزيارةٍ الوزير الكبير لطلب سماحه. ومع أن الزيارة قد أثارت غضب الوزير الكبير، إلا أن هذا لم يمنع الشعراء من التجرّؤ على زيارته مرّةً أخرى عندما اقتضى الأمر حماية قندي. عندما احتدم خيالي بك غيظاً من قندي بسبب قصيدةٍ أخرى، وأمر بهدم متجر الحلويات الذي كان يملكه، اشتكى أصدقاء الشاعر لابراهيم باشا، الذي كان وليّ خيالي بك. في كلتا الحالتين، تفاعل مُتَلَقّي القصيدة بعنف وهَبَّ الأصدقاء للإنقاذ. مع أن حسبي لم ينجُ وقضى سنوات في سجن «كزكوليسي أُسكدار»، حصل قندي على بعض التعويضٍ المالي.

بالمقارنة مع مجموعة الأصدقاء هذه، كان فيجاني وحيداً ومعزولاً عندما واجه الموت.  يشدد عاشق جلبي على عزلته من خلال وضع قصة حلمه بين أصدقاءٍ «ياران» [yārān] لم يفهموا خوف فيجاني وفشلوا في إدراك الخطر المُحدِق به. حتّى راوي القصة نفسه يبدو كمشاهدٍ حياديٍّ متجرِّد. وفيما يشير عاشق جلبي تحديداً إلى بعض الأصدقاء كمخبريه الشفهيين ومصادره في قصص الأحلام الأخرى، هنا لا يعرّف عن الرواي، بل يكتفي بتقديمه مُشاهداً بارداً. يبدأ الراوي قصته بوصف فيجاني وهو يتأمّل البحر مكتئباً في حديقة كاباتاش، ويُنهيها مع فيجاني مُعلّقاً على المِشنَقة عند ميناء إمينونو. كان فيجاني وحيداً في الحديقة كما على المشنقة، تماماً كما كان وحيداً عند المئذنة في حلمه، وبين «الأصدقاء» [ياران] عندما روى ما أبصره. هذا بالإضافة إلى أن مفسِّر الحلم ليس صديقاً، إنما هو مُضيف الجلسة، ووَليُّ مُحتمَل يصفه عاشق جلبي في مكانٍ آخر كـ«مُرافق الرجال الرُّذّلاء وهاوي الفاحشين والذّميمين».[13] ومع أن عاشق جلبي يشدد في قصص الأحلام الأخرى على دراية الأصدقاء بمآزق بعضهم البعض، نرى في حالة فيجاني إخفاق رجل الدولة النافذ هذا في إدراك الخطر. علينا معرفة المزيد عن التوقعات التي تربط علاقات الأولياء والمَحمِيّين ضمن أوساط عاشق جلبي كي نفهم التصوير الذي وضعه لسوء تفسير الحلم. مع ذلك، من الممكن القول أن عاشق جلبي، بسرده هذه القصة، ربما أراد الإشارة إلى حقيقة بسيطة: بغياب الصداقة والرعاية الجيدة، لن يتمكن الشاعر من إنقاذ حياته.

أن تشديد عاشق جلبي على انعزال الشاعر عن الأصدقاء والأولياء الصالحين فريدٌ من نوعه بالمقارنة مع كُتّاب السِّيَر العثمانيين الذين سبقوه والذين تلوه. جميعهم أرادوا التساؤل عن سبب إعدام فيجاني، إذ أن الإعدام كعقوبة على بيتٍ من الشعر كان أمراً نادراً واستثنائياً. في ذلك العالم، كان الشعراء أحياناً يفقدون مناصبهم أو يضطرون إلى مغادرة اسطنبول أو يعانون من ضائقة ماليّة بسبب القصائد الهجائية، لكن لم يحصل أن قُتِلوا يوماً. لذا، لا بد أن شيئاً ما قد سار بطريقةٍ خاطئة في حالة فيجاني، حقيقة أراد كُتّاب السِّيَر عرضها وتوضيحها. وقد أشار العديد منهم إلى حِقد وخُبث أعداء فيجاني:  كتب كلٌّ من ساهي بك (954ه/1548م) وأحدي (1001/1593) عن أعدائه الحسودين، وزَعَما أن بيت الشعر قد نُسِبَ إلى الشاعر البريء عن طريق نشر الإشاعات والنّميمة الهدّامة. بالنسبة لـ لطيفي، الذي كان من بين الواقعين تحت وصاية المحسوبين على ابراهيم باشا، فإن الإشاعات المُغرِضة كانت، إلى حد ما، ذنب فيجاني نفسه. قال لطيفي:

في وقتٍ قصير، برز فيجاني كواحد من أشهر الشعراء، إلى أن أصابه الغرور بموهبته الفطريّة في الإنشاء والأسلوب وأصبح مفتوناً بسحر كلماته. أخذ يروّج لنفسه كلؤلؤة ثمينة. وزاعماً بأنه «البديعُ الفريدُ الذي لا نظير لي» بدأ يُعيبَ أعيان اسطنبول بانتقادات حادّةٍ وفادحة.[14]

ربما كان قُرب لطيفي من الوزير الكبير ابراهيم باشا قد أثّر على وصفه لـ فيجاني. ردّاً على الصورة المتعاطفة التي قدمها بعض كتاب السير، أمثال ساهي بك وأحدي عن فيجاني كشاعر بريء، يبدو أن لطيفي قد أبرز عيوب فيجاني ونقاط ضعفه، مُظهراً كيف ساق نفسه إلى الخراب. من المثير للإهتمام اتّخاذ لطيفي موقفاً أكثر عدائية في كتاب السِّيَر الذي وضعه بعد «مشاعِرُ الشُّعَراء»، ربما كَرَدٍّ على وصف عاشق جلبي المتعاطف مع الشاعر. فقد أرفق قصة جديدة زاعماً أن بيت الشعر ينتمي بالفعل إلى فيجاني. هنا، يقدّم فيجاني شاعراً متغطرساً وعديم الصّبر، وساخِطاً على الوزير الكبير لعدم اكتراثه لشعره.[15] هكذا، فإن مقدمة عاشق جلبي عن فيجاني هي بمثابة إجابة على ما وضعه كتّاب السِّيَر من قبله   –بل هي حتّى إجابةٌ مستبقة على الذين أتوا من بعده.  ففي الوقت الذي يلوم كتّاب السير حسد الأعداء وتكبّر الشاعر، يشير عاشق جلبي إلى وليٍّ جاهل وأصدقاءٍ بعيدين.

من المهم ملاحظة توضيح عاشق جلبي لفكرته هذه من خلال قصة حلم، وهي تقنية استخدمها المؤرخون اللاحقون  –خصوصاً عند الحديث عن الإعدامات. مثلاً، يروي المؤرخ إبراهيم باشوي (1059/1566) من القرن السابع عشر، كيف أن اسكندر جلبي (941/1535) الذي حُكِمَ بالإعدام، ظهر في حلم السلطان سليمان (974/1566) وهو يحاول خنقه أن يخنقه. إستيقظ السلطان مرعوباً وأمر بإعدام الوزير الكبير ابراهيم باشا، الذي كان مسؤولاً عن موت اسكندر جلبي. السلطان عثمان الثاني (1031/1622) هو عثمانيٌّ آخر دخل الأحلام بعد إعدامه. يروي المؤرخ نعيما (1128/1716) من القرن الثامن عشر ظهور عثمان الثاني في منام أخيه مصطفى الذي كان قد انتزع منه العَرش، وكيف استيقظ هذا الأخير وهو يجهش بالبكاء.  يلاحظ نعيما أيضاً أن راوي الحلم هو مبشّرٌ (داعية) كان يُدين المسؤولين عن إعدام عثمان الثاني.

في حالة فيجاني، لسنا أمام شاعرٍ مات إعداماً يريد الأخذ بالثّأر، إلّا أن لقصة الحلم رسالة مهمة. فهي تكشف عن أمر غالباً ما يبقى مخفيّاً، وهو أن الأولياء قد يكونوا نُبلاء طيّبين أو شرساء عنيفين.  في مدحه لابراهيم باشا، يقول لطيفي أن «رعايته الباذخة وصلت إلى السماء وفاقت في عُلُوِّها النجوم السفيديّة»، وهي صورة إعجابٍ وتمجيدٍ لقوّة نفوذ وَلِيِّهِ مشابهة لصورة المئذنة الطويلة في حلم فيجاني.[16] أما في هذا الحلم، فيضعنا عاشق جلبي أمام المنافع كما المخاطر في العلاقات مع رجال الدولة النافذين. يمكن لرعاية الوليّ أن ترفع المرء عالياً كالمئذنة، ولكن يمكنها أيضاً أن تكون كدخان نار كبيرة مشتعلة في قلب العاشق. في مواضعٍ أخرى من كتاب «مشاعِرُ الشُّعَراء»، يقدم عاشق جلبي لقرّائه وصفاً مماثلاً لرعاية ابراهيم باشا،  واصفاً إياه كداعمٍ طيّب للشعراء وأيضاً كمُعاقبٍ عنيفٍ لهم. بينما يقدم ابراهيم باشا الهدايا والمناصب الوافرة والسخيّة في عدّة أجزاء من الكتاب، هو أيضاً يأمر  بتدمير حمّام الشاعر دلي بيرادر، وبسجن الشاعر حسبي بسبب قصائدهما الهجائيّة.

من المهم هنا رؤية وجهَي القوة عند الأولياء، إلّا أن كارابالي زاده، عمداً كان أم سهواً، يفشل في القيام بذلك.  تلعب المُتَع والملذات دوراً بارزاً في حياته لدرجة تمنعه عن تحمّل الأسى. لذا فهو يكوّن نظرة غير مكتملة عن رسالة الحلم. فهو يفسّر على نحوٍ صحيح موقع الميناء على أنه إمينونو، لكنه يفسّر المكان على أنه مكتب الجمارك بدلاً من موقع للإعدام. يرى ارتفاع المئذنة كدلالةٍ على رعايةٍ عظيمة من قبل الأولياء، لكنه لا يأتي على ذِكر دخان التنهّدات الصاعد من القلب المحترق. يبرر الدعوة إلى الصلاة كنشرٍ للبهجة بعد تلقّي منصبٍ جديد، إلا أنه يغفل عن الخوف الكبير الذي أحسًّ به فيجاني عند صعوده المئذنة. ربما ما أراده عاشق جلبي من سرد هذه القصة هو تحذير قرّائه بعدم التحوّل إلى طبقٍ صغيرٍ على مائدة الوليّ كما فيجاني، وبعدم وضع الثّقة برجال الدولة مثل كارابالي زاده، ولا بوعودهم الزائفة بالمتعة واللذة.

النّظر إلى المدينة السلطانيّة وشعرائها من الحديقة وعلى مشارفها 

كان يمكن لـ فيجاني، الشاعر ذو البكاء الصارخ  ورُبّما المُجَلجِل ــ كما يقترح إسمه القلمي ــ أن يَرقى بصوته لو كان قد حَظِيَ بدعم وَليٍّ  جيّدٍ وبمساعدة مجموعة من الأصدقاء. غير أنّه لم يستطع النجاة بغياب تلك العلاقات. لهذا تذكّرنا قصة الحلم بأهميّة الروابط الإجتماعيّة في حياة الشعراء العثمانيين، ولماذا لا يصحُّ دراسة حياة شاعرٍ بمعزلٍ عن سير الشعراء الآخرين. الآخرين. وهي أيضاً تدعونا للنظر إلى فيجاني من زاوية مختلفة. عندما انتُزِعَ ثوب الحياة عن جسده، لم يتحوّل فيجاني إلى آلةٍ موسيقية بكماء. فقد قضى حياته وهو يسعى وراء مُتَع وملذّات الخمر والحفلات والعُشّاق.  فيجاني كان هزليّاً ومُسامِراً، لكنه كان شاعراً تلقّى رسالة غيبية وصَحا من رُقاد الجَهالة. بواسطة حلم، أدرك الشاعر اليقين الذي كان مُستتراً عنه.

ربما ما أراده عاشق جلبي من سرد هذا الحلم هو تنبيه قرّائه. إلا أنه ينبغي على القرّاء  –بما فيهم نحن اليوم   –تفسير الحلم بشكلٍ صحيح. وإلّا فلن نفهم الرسالة التي يحملها، مثل كارابالي زاده الذي فسّر الحلم كما أراد هو أن يسمعه. أما عاشق جلبي فقد قدم لقرّائه تفسيراً صائباً وصادقاً من خلال استعماله لمجموعةٍ متنوّعة وغنيةّ من المفردات التي تصف حزن فيجاني وكآبته في جلسة الحديقة وخوفه من المئذنة في الحلم. هنا كارابالي زاده، الذي أبى التطرّق لأيّ أمر يتعلّق بالأسى في تلك الجلسة، ارتكب خطأً قاتلاً.

علينا ألا نرتكب الخطأ نفسه. في البداية، يبدو «مشاعِرُ الشُّعَراء» كتاباً فرحاً وممتعاً. فهو مليءٌ بالشعراء الذين يطاردون العُشّاق ويحتسون الخمر ويحتفلون ويسعون نحو حياة مِهَنيّة هانئة. إذا تسلّقنا المئذنة مع فيجاني ونظرنا إلى الأسفل، سوف نرى حانة الرّاكي في حَيَ تاهتاكالي، ونشاهد نزهة الوُسماء في ميدان سباق الخيل، ومكتب الجمارك في إمينونو وحديقة كارابالي زاده في كاباتاش. عند كتابته عن حياة فيجاني، يصف عاشق جلبي هذا العالم بألوان متعدّدة. لكن قصة الحلم تقترح أيضاً رؤيةً أخرى، وهي خوف شعراء القرن السادس عشر العثمانيين، في حدائقٍ قد يكون فيها الإعدام على مَرمى حَجَر.

*هذه الدراسة هي جزء من بحث جار حول الحدائق العثمانيّة في حقبة الحداثة المبكرة. لقد كان من دواعي سروري أن تتاح لي الفرصة لمشاركة النتائج الأولية للبحث التي توصَّلتُ إليها في المشروع «بَهار» باسطنبول، الذي يقام كجزء من فعاليات البعيد «بينالي الشارقة 13». أودُّ أن أتوجّه بالشكر إلى زينب أوز لكونها مصدر إلهام كبير لعملي، ولجمهوري على تقييماته وتعليقاته وأسئلته القيّمة. نُشِرَت نسخة سابقة من هذه الدراسة تحت عنوان «كيف تقرأ حلم شاعر عثماني؟ أصدقاء وأولياء وإعدام الشاعر فيجاني (938ه/1532م)»،
How to Read an Ottoman Poet's Dream? Friends, Patrons and the Execution of Fiġānī (d. 938/1532), Middle Eastern Literatures 16, no. 1 (2013): 48–60.

[1] للإطلاع على قصة حياة فيجاني بقلم عاشق جلبي، أنظر «مشاعِرُ الشُّعَراء»،
‘Ᾱşıḳ Çelebi, Meşāirü’ş-Şu’arā: İnceleme-Metin, ed. Filiz Kılıç (İstanbul: İstanbul Araştırmaları Enstitüsü, 2010), 1203–1202.

[2] «حياة ورسائل أوجييه غيسيلان دو بوسبِك»،
The Life and Letters of Ogier Ghiselin de Busbecq, eds. C. T. Forster and F. H. Blackburne Daniell (London: C. Kegan Paul & Co. 1881), 1: 129.

[3] لدراسة موسّعة لهذه الحديقة، أنظر
Gülrü Necipoğlu, “The Suburban Landscape of Sixteenth-Century in Istanbul as a Mirror of Classical Ottoman Garden Culture,” in Gardens in the Time of Great Muslim Empires; Theory and Design (Leiden and New York: E. J. Brill, 1997), 32–33.

[4] عاشق جلبي، «مشاعِرُ الشُّعَراء».

[5] نفس المرجع.

[6] نفس المرجع.

[7] نفس المرجع.

[8] نفس المرجع: 3: 1207.

[9] نفس المرجع: 3: 1208.

[10] لاستعمال عاشق جلبي لكلمة «همّة» للتعبير عن «الولاية» (أو الرعاية)، أنظر
Tuba Işınsu Durmuş, Tutsan Elini Ben Fakîrin; Osmanlı Edebiyatında Hamilik Geleneği (İstanbul: Doğan Kitap, 2009), 19.

[11]  Arzu Erdoğan, “Türkçe Rüya Tabirnâmeleri ve İbn-i Sirin’den Tercüme Edilen bir Tabirnâme,” (أطروحة ماجستير ، جامعة مَرمَرة، 1994)، 49.

[12] مجهول، «ملحمة جلجامش»، مُتَرجَم مع مقدمة،
Anonymous, The Epic of Gilgamesh, trans. with an introduction by Andrew R. George (London: Penguin, c. 1998), 30–39.

[13] «مشاعِرُ الشُّعَراء»، 3: 1000.

[14]لطيفي، «تذكرة الشعراء»،
Tezkiretü’ş-Şu’arâ ve Tabsıtatü’n-Nuzamâ, ed. Rıdvan Canım Kültür Merkezi) (أنقرة: مركز أتاتورك الثقافي، 2000)، 438 ــ39.

[15] لطيفي، «تذكرة الشعراء»، 439.

[16] المرجع نفسه، 326.


ترجمه عن الإنكليزية زياد شكرون.

أصلي نيازيوغلو هي مؤرّخة متخصّصة في الأدب العثماني تعمل على النُّهُج المقارَنة في كتابة السِّيَر  والتاريخ الحَضَري والمذهب الصّوفي في أوائل عهد اسطنبول الحديثة. إستهلّت هذا البحث بدراسة دكتوراه في التاريخ من جامعة هارفارد، تبعتها منحة دراسيّة في كلّية برلين للدراسات العليا، ومنصب مُحاضِرة في جامعة أوكسفورد. تشغل منصب مدرّسة في جامعة كوتش،–كليّة التاريخ في اسطنبول منذ العام 2006. يستكشف كتابها الأوّل «الأحلام والحَيَوات في اسطنبول العثمانيّة: نظرة كاتب سِيَر من القرن السابع عشر» (Dreams and Lives in Ottoman Istanbul: A Seventeenth Century Biographer’s Perspective, Routledge, 2016)، كتابة السِّيَر وسرديّات الأحلام في اسطنبول الحداثة المبكرة. يُظهِر الكتاب كيف وفّرت سرديّات الأحلام لكُتّاب السِيَر في اسطنبول أوائل القرن السّابع عشر وسيلةً لتكوين مجتمعٍ مثقّف في ظروفٍ سياسيّة هشّة وحسّاسة. حاليّاً، تتحضّر نيازيوغلو لإصدار كتابها الثاني، «تَخَيُّل اسطنبول الحداثة المبكرة: مدينة شعراء وصوفيّين ورحّالة» (Early Modern Istanbul Imagined: A City of Poets, Sufis and Travelers)، الذي يتناول الطُّرُق والأنماط التي اختبر من خلالها العثمانيّون مدينتهم اسطنبول، وكيفيّة ترويجهم لمجالاتٍ جديدة للمخالطة الإجتماعيّة، تمتّعت باستقلال ذاتي متنامٍ خارج كرسي السلطة السلطاني (أو الامبراطوري)، في الفترة الممتدّة بين أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن الثامن عشر.

زياد شكرون (بيروت، 1982) ممثل ومترجم يعيش ويعمل في بيروت ومدريد. حائز على بكالوريوس في المسرح من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وعلى ماجستير في الترجمة من مدرسة طليطلة للمترجمين في إسبانيا. من آخر  ترجماته كتاب «زمن العين وعمره» لـِ وليد صادق (من العربيّة إلى الإسبانيّة)، و«كيف تعرف ما الذي يجري حقاً» لـِ فرانسيس ماكّي (من الإنكليزيّة إلى العربيّة).